مقدمة
تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية .. لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها .. فهذا عَرَضٌ للمرض وليس هو المرض .. ولكن سبب إفلاسها في عالم القيم التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموًا سليمًا وتترقى ترقيًا صحيحًا . وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي ، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من القيم ، بل الذي لم يعد لديه ما يُقنع ضميره باستحقاقه للوجود ، بعدما انتهت الديمقراطية فيه إلى ما يشبه الإفلاس ، حيث بدأت تستعير- ببطء - وتقتبس من أنظمة المعسكر الشرقي وبخاصة في الأنظمة الاقتصادية ! تحت إسم الاشتراكية !
كذلك الحال في المعسكر الشرقي نفسه .. فالنظريات الجماعية وفي مقدمتها الماركسية التي اجتذبت في أول عهدها عددًا كبيرًا في الشرق - وفي الغرب نفسه - باعتبارها مذهبًا يحمل طابع العقيدة ، قد تراجعت هي الأخرى تراجعًا واضحًا من ناحية الفكرة حتى لتكاد تنحصر الآن في الدولة وأنظمتها ، التي تبعد بعدًا كبيرًا عن أصول المذهب .. وهي على العموم تناهض طبيعة الفطرة البشرية ومقتضياتها ، ولا تنمو إلا في بيئة محطمة ! أو بيئة قد ألفت النظام الدكتاتوري فترات طويلة ! وحتى في مثل هذه البيئات قد بدأ يظهر فشلها المادي الاقتصادي - وهو الجانب الذي تقوم عليه وتتبجح به - فروسيا - التي تمثل قمة الأنظمة الجماعية - تتناقص غلاتها بعد أن كانت فائضة حنى في عهود القياصرة ، وتستورد القمح والمواد الغذائية ، وتبيع ما لديها من الذهب لتحصل على الطعام بسبب فشل المزارع الجماعية وفشل النظام الذي يصادم الفطرة البشرية .
ولابد من قيادة للبشرية جديدة !
إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال .. لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديًا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية .. ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدا من القيم لا يسمح له بالقيادة .
لابد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية ، عن طريق العبقرية الأوروبية في الإبداع المادي ، وتزود البشرية بقيم جديدة جدَّة كاملة - بالقياس إلى ما عرفته البشرية – وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته.
والإسلام - وحده - هو الذي يملك تلك القيم ، وهذا المنهج .
لقد أدَّت النهضة العلمية دورها .. هذا هو الدور الذي بدأت مطالعه مع عصر النهضة في القرن السادس عثر الميلادي ، ووصلت إلى ذروتها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر .. ولم تعد تملك رصيدًا جديدًا .
كذلك أدَّت الوطنية و القومية التي برزت في تلك الفترة ، والتجمعات الإقليمية عامة دورها خلال هذه الفرون . . ولم تعد تملك هي الأخرى رصيدًا جديدًا .
ثم فشلت الأنظمة الفردية والأنظمة الجماعية في نهاية المطاف .
ولقد جاء دور الإسلام ودور الأمة في أشد الساعات حرجًا وحيرة واضطرابًا .. جاء دور الإسلام الذي لا يتنكَّر للإبداع المادي في الأرض ، لأنه يعدُّه من وظيفة الإنسان الأولى منذ أن عهد الله إليه بالخلافة في الأرض ، ويعتبره - تحت شروط خاصة - عبادة لله ، وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني .
{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة: 30]
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي } [الذاريات: 56]
وجاء دور الأمة المسلمة لتحقق ما أراده الله بإخراجها للناس : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران: 110]
{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة: 143]
ولكن الإسلام لا يملك أن يؤدي دوره إلا أن يتمثل في مجتمع ، أي أن يتمثل في أمة .. فالبشرية لا تستمع - وبخاصة في هذا الزمان - إلى عقيدة مجردة ، لا ترى مصداقها الواقعي في حياة مشهودة . . و وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة .. فالأمة المسلمة ليست أرضًا كان يعيش فيها الإسلام . وليست قومًا كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي .. إنما الأمة المسلمة جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي . . . وهذه الأمة - بهذه المواصفات ! قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر- الأرض جميعًا .
ولابد من إعادة وجود هذه الأمة لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى .
لابد من بعث لتلك الأمة التي واراها ركام الأجيال وركام التصورات ، وركام الأوضاع ، وركام الأنظمة ، التي لا صلة لها بالإسلام ، ولا بالمنهج الإسلامي . . وإن كانت ما تزال تزعم أنها قائمة فيما يسمى العالم الإسلامي !!!
وأنا أعرف أن المسافة بين محاولة البعث وبين تسلم القيادة مسافة شاسعة . . فقد غابت الأمة المسلمة عن الوجود وعن الشهود دهرًا طويلاً . وقد تولت قيادة البشرية أفكار أخرى وأمم أخرى ، وتصورات أخرى وأوضاع أخرى فترة طويلة . وقد أبدعت العبقرية الأوروبية هذه الفترة رصيدًا ضخمًا من العلم و الثقافة و الأنظمة و الإنتاج المادي .. وهو رصيد ضخم تقف البشرية على قمته ، ولا نفرِّط فيه ولا فيمن يمثله بسهولة ! وبخاصة أن ما يسمى العالم الإسلامي يكاد يكون عاطلاً من كل هذه الزينة !
ولكن لابد - مع هذه الاعتبارات كلها - من البعث الإسلامي مهما تكن المسافة شاسعة بين محاولة البعث وبين تسلم القيادة . فمحاولة البعث الإسلامي هي الخطوة الأولى التي لا يمكن تخطيها !
ولكي نكون على بينة من الأمر ، ينبغي أن ندرك - على وجه التحديد - مؤهلات هذه الأمة للقيادة البشرية ، كي لا نخطىء عناصرها في محاولة البعث الأولى .
إن هذه الأمة لا تملك الآن - وليس مطلوبًا منها - أن تقدم للبشرية تفوقًا خارقًا في الإبداع المادي ، يحنى لها الرقاب ، ويفرض قيادتها العالمية من هذه الزاوية . . فالعبقرية الأوروبية قد سبقته في هذا المضمار سبقًا واسعًا. وليس من المنتظر - خلال عدة قرون على الأقل - التفوق المادي عليها !
فلابد إذن من مؤهل آخر ! المؤهل الذي تفتقده هذه الحضارة !
إن هذا لا بعني أن نهمل الإبداع المادي . فمن واجبنا أن نحاول فيه جهدنا . ولكن لا بوصفه المؤهل الذي نتقدم به لقيادة البشرية في المرحلة الراهنة . إنما بوصفه ضرورة ذاتية لوجودنا . كذلك بوصفه واجبًا يفرضه علينا التصور الإسلامي الذي ينوط بالإنسان خلافة الأرض ، ويجعلها - تحت شروط خاصة - عبادة لله ، وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني .
لابد إذن من مؤهل آخر لقيادة البشرية - غير الإبداع المادي - ولن يكون هذا المؤهل سوى العقيدة و المنهج الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنجاج العبقرية المادية ، تحت إشراف تصور آخر يلبِّي حاجة الفطرة كما يلبيّها الإبداع المادي ، وأن تتمثل العقيدة والمنهج في تجمع إنساني . أي في مجتمع مسلم .
إنْ العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها . جاهلية لا تخفف منها شيئًا هذه التيسيرات المادية الهائلة ، وهذا الإبداع المادي الفائق !
هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية . . وهي الحاكمية . . إنها تسند الحاكمية إلى البشر ، فتجعل بعضهم لبعض أربابا ، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى ، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم ، والشرائع والقوانين ، والأنظمة والأوضاع ، بمعزل عن منهج الله للحياة ، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتدا ء على عباده . . وما مهانة الإنسان عامة في الأنظمة الجماعية ، وما ظلم الأفراد والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم الرأسمالية إلا أثرًا من آثار الاعتداء على سلطان الله ، وإنكار الكراهة التي قررها الله للإنسان ! وفي هذا يتفرد المنهج الإسلامي .. فالناس في كل نظام غير النظام الإسلامي ، يعبد بعضهم بعضًا – في صورة من الصور - وفي المنهج الإسلامي وحده يتحرر الناس جميعًا من عبادة بعضهم البعض ، بعبادة الله وحده ، والتلقي من الله وحده ، والخضوع لله وحده .
وهذا هو مفترق الطريق .. وهذا كذلك هو التصور الجديد الذي نملك إعطاءه للبشرية- هو وسائر ما يترتب عليه من آثار عميقة في الحياة البشرية الواقعية - وهذا هو الرصيد الذي لا تملكه البشرية ، لأنه ليس من منتجات الحضارة الغربية ، وليس من منتجات العبقرية الأوروبية ! شرقية كانت أو غربية .
إ ننا - دون شك - نملك شيئا جديدًا جدَّة كاملة . شيئا لا تعرفه البشرية . ولا تملك هي أن تنتجه !
ولكن هذا الجديد ، لابد أن يتمثل -كما قلنا - في واقع عملي . لابد أن تعيش به أمة .. وهذا يقتضي عملية بعث في الرقعة الإسلامية هذا البعث الذي يتبعه - على مسافة ما بعيدة أو قريبة - تسلم قيادة البشرية .
فكيف تبدأ عملية البعث الإسلامي ؟
إنه لابد من طليعة تعزم هذه العزمة ، وتمضي في الطريق . تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعًا . تمضي وهي تزاول نوعا من العزلة من جانب ، ونوعًا من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة . .
ولابد لهذه الطليعة التي تعزم هذه العزمة من معالم في الطريق معالم تعرف منها طبيعة دورها ، وحقيقة وظيفتها ، وصلب غايتها . ونقطة البدء في الرحلة الطويلة .. كما تعرف منها طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعًا . . أين تلتقي مع الناس وأين تفترق ؟ ما خصائصها هي وما خصائص الجاهلية من حولها ؟ كيف تخاطب أهل هذه الجاهلية بلغة الإسلام وفيم تخاطبها ؟ ثم تعرف من أين تتلقى – في هذا كله – وكيف تتلقى ؟
هذه المعالم لابد أن تقام من المصدر الأول لهذه العقيدة . . القرآن . . ومن توجيهاته الأساسية ، ومن التصور الذي أنشأه في نفوس الصفوة المختارة ، التي صنع الله بها في الأرض ما شاء أن يصنع ، والتي حولت خط سير التاريخ مرة إلى حيث شاء الله أن يسير .
لهذه الطليعة المرجوة المرتقبة كتبت معالم في الطريق . منها أربعة فصول مستخرجة من كتاب في ظلال القرآن مع تعديلات وإضافات مناسبة لموضوع كتاب المعالم . ومنها ثمانية فصول - غير هذه التقدمة - مكتوبة في فترات حسبما أوحت به اللفتات المتوالية إلى المنهج الرباني المتمثل في القرآن الكريم .. وكلها بجمعها - على تفرقها - أنها معالم فى الطريق ، كما هو الشأن في معالم كل طريق ! وهي في مجموعها تمثل المجموعة الأولى من هذه المعالم والتي أرجو أن تتبعها مجموعة أخرى أو مجموعات ، كلما هداني الله إلى معالم هذا الطريق !
وبالله التوفيق .
سيد قطب
الأربعاء، 16 يونيو 2010
معالم فى الطريق - سيد قطب رحمه الله
طبيعة المنهج القرآني
ظل القران المكي ينزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر عاماً كاملة، يحدَثه فيها عن قضية واحدة. قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر. ذلك الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى.
لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية، في هذا الدين الجديد.. قضية العقيدة.. ممثلة في قاعدتها الرئيسية.. الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.
لقد كان بخاطب بهذه الحقيقة (الإنسان).. الإنسان بما انه إنسان.. وفي هذا المجال يستوي الإنسان العربي في ذلك الزمان والإنسان العربي في كل زمان، كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان. في ذلك الزمان وفي كل زمان!
إنها قضية (الإنسان) التي لا تتغير. لأنها قضية وجود في هذا الكون وقضية مصيره. قضية علاقته بهذا الكون وبهؤلاء الأحياء. وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء. وهي قضية لا تتغير ، لأنها قضية الوجود والإنسان.
لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجوده ووجود هذا الكون من حوله.. كان يقول له: من هو؟ ومن أين جاء؟ ولماذا جاء؟ والى أين يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ ومن ذا الذي يذهب به؟ وما مصيره هناك؟ وكان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس أن وراءه غيباً يستشرفه ولا يراه؟ من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟ من ذا يدبره؟ ومن ذا يحوره؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟.. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون، ومع الكون أيضاً، كما يبين له: كيف يتعامل العباد مع العباد؟
وكانت هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود (الإنسان). وستظل هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده على توالي الأزمان.
وهكذا انقضت ثلاثة عشر عاماً كاملة في تقرير هذه القضية الكبرى، القضية التي ليس وراءها شيء في حياة الإنسان إلا ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات.
ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة، إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان، وأنها استقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان، التي قدر الله أن يقوم هذا الدين عليها، وان تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين.
وأصحاب الدعوة إلى دين الله، والى إقامة النظام الذي يتمثل فيه هذا الدين في واقع الحياة، خليقون أن يقفوا طويلا أمام هذه الظاهرة الكبيرة، ظاهرة تصدي القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عاماً لتقرير هذه العقيدة، ثم وقوفه عندها لا يتجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها، والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها.
لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى لها الدعوة منذ اليوم الأول للرسالة، وان يبدأ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس أن يشهدوا: أن لا اله إلا الله، وان يمضي في دعوته يعرف الناس بربهم الحق، ويعبدهم له دون سواه.
ولم تكن هذه -في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب- هي ايسر السبل إلى قلوب العرب! فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى (إله) ومعنى: (لا إله إلا الله).كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا.. وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وأفراد الله-سبحانه- بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، وردَه كله إلى الله.. السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال ، والسلطان في القضاء،والسلطان في الأرواح والأبدان.. كانوا يعلمون أن(لا اله إلا الله) ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله.. ولم يكن يغيب عن العرب-وهم يعرفون لغتهم جيداً ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة-(لا اله إلا الله)- ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياساتهم وسلطانهم، ومن استقبلوا هذه الدعوة-او هذه الثورة- ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام..
فَلِمَ كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة؟ ولم اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناء؟
لقد بُعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بهذا الدين،واخصب بلاد العرب وأغناها ليست في يد العرب، إنما هي في أيدي غيرهم من الأجناس!
بلاد الشام كلها في الشمال خاضعة للروم،يحكمها أمراء عرب من قبل الروم، وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس، يحكمها أمراء عرب من قبل الفرس، وليست في أيدي العرب إلا الحجاز تهامة ونجد، وما إليها من الصحاري القاحلة التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك!
وربما قيل انه في كان استطاعة محمد -صلى الله عليه وسلم-وهو الصادق الأمين الذي حكَمه أشراف قريش من قبل في وضع الحجر الأسود، وارتضوا حكمه،منذ خمسة عشر عاماً قبل الرسالة، والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسباً.. انه كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب التي أكلتها الثارات ومزقتها النزاعات، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة.. الرومان في الشمال والفرس في الجنوب.. وإعلاء راية العربية والعروبة، وإنشاء وحدة قومية في كل أرجاء الجزيرة.
وربما قيل:انه لو دعا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة، بدلا من أن يعاني ثلاثة عشر عاماً في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة!
وربما قيل: أن محمداً-صلى الله عليه وسلم- كان خليقاً- بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة، وبعد أن يولَوه فيهم القيادة والسيادة، وبعد استجماع السلطان في يديه، والمجد فوق مفرقيه-أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعث بها، في تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَدهم لسلطانه البشرى!
ولكن الله-سبحانه- وهو العليم الحكيم، لم يوجه رسوله- صلى الله عليه وسلم- هذا التوجيه! إنما وجهه إلى أن يصدع بـ (لا اله إلا الله) ، وان يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء !
لماذا ؟ أن الله-سبحانه- لا يريد أن يعنت رسوله والمؤمنين معه. إنما هو-سبحانه- يعلم أن هذا ليس هو الطريق،ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني او طاغوت فارسي، إلى يد طاغوت عربي. فالطاغوت كله طاغوت! إن الأرض لله، ويجب أن تخلص لله. ولا تخلص لله إلا أن ترفع كلمة (لا اله إلا الله). وليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت روماني او فارسي، إلى طاغوت عربي. فالطاغوت كله طاغوت! أن الناس عبيد لله وحده، ولا يكونون عبيداً لله إلا أن ترتفع راية(لا اله إلا الله)-لا اله إلا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته،: لا حاكمية إلا الله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على احد، لان السلطان كله لله، ولان( الجنسية) التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله.
وهذا هو الطريق..
وبعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بهذا الدين، والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعا ًللثروة والعدالة. قلة قليلة تملك المال والتجارة، وتتعامل بالربا فتتضاعف تجارتها ومالها. وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع. والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة، وجماهير كثيرة ضائعة من المال والمجد جميعاً!
وربما قيل: أنه كان في استطاعة محمد-صلى الله عليه وسلم- أن يرفعها راية اجتماعية، وان يثيرها حرباً على طبقة الأشراف، وان يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع، ورد أموال الأغنياء على الفقراء!
وربما قيل: انه لو دعا يومها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-هذه الدعوة، لانقسم المجتمع العربي صفين: الكثرة الغالبة مع الدعوة الجديدة في وجه طغيان المال والشرف والجاه، والقلة القليلة مع هذه الموروثات ، بدلا من أن يقف المجتمع كله صفاً في وجه (لا اله إلا الله) التي لم يرتفع إلى افقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس!
وربما قيل: أن محمداً-صلى الله عليه وسلم-كان خليقاً بعد أن تستجيب له الكثرة، وتوليه قيادها، فيغلب بها القلة ويسلس له مقادها، ان يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَدهم لسلطانه البشرى!
لكن الله-سبحانه- وهو العليم الحكيم، لم يوجهه هذا التوجيه..
لقد كان الله-سبحانه- يعلم أن هذا ليس هو الطريق.. كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لابد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل، يرد الأمر كله لله، ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة التوزيع، ومن تكافل الجميع، ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه سواء انه ينفذ نظاماً شرعه الله، ويرجوا على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء. فلا تمتلئ قلوب بالطمع ولا تمتلئ قلوب بالحقد، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا وبالتخويف والإرهاب! ولا تفسد القلوب كلها وتختنق الأرواح، كما يقع في الأوضاع التي تقوم على غير(لا اله إلا الله).
وبُعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى- إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية.
كان التظالم فاشيا في المجتمع، تعبر عنه حكمة الشاعر(زهير بن أبي سلمى):
و من لم يذد عن حوضه بسلاحه *** يهدَّم، ومن لا يظلم الناس يُظلمِ
ويعبر عن القول المتعارف في الجاهلية:(انصر أخاك ظالماً او مظلوماً).
وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية، ومن مفاخره كذلك يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته.. كالذي يقول طرفة بن العبد:
فلولا ثلاث هن من عيشـة الفتى *** وجدَك لم احفل متى قــام عوَّدي
فمنهن سبقى العاذلات بشــربة *** كـميت متى ما تعل بالماء تزبــد
وما زال تشاربي الخـمور ولذتي *** وبذلـي وإنفاقي طريقــي وتالدي
إلى أن تحامتنى العشـيرة كلهـا *** وأفردت إفـراد البعـير المعبًّــد
وكانت الدعارة- في صور شتى- من معالم هذا المجتمع- شأنه شأن كل مجتمع جاهلي قديم او حديث- كالتي روته عائشة رضي الله عنها :
(أن النكاح في الجاهلية كان على أربع أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم.. يخطب الرجل إلى الرجل وليَته او ابنته، فيصدقها ثم ينكحها.. والنكاح الأخر كان الرجل يقول لامرأته- إذا طهرت من طمثها- : أرسلي إلى فلان فاستبعضي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها ابدً حتى يتبين حملها من ذلك الذي تستضع منه، فإذا تبين حملها أصابها الرجل إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها. فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها ، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل.. والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع من جاءها .. وهن البغايا.. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم الحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه، ودعى ابنه لا يمتنع عن ذلك).
وربما قيل: انه كان قي استطاعة محمد-صلى الله عليه وسلم- أن يعلنها دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس.
وربما قيل: انه-صلى الله عليه وسلم- كان واجداً وقتها- كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة- نفوساً طيبة يؤذيها هذا الدنس.
وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير.
وربما قال قائل: انه لو صنع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك لاستجابت له- في أول الأمر- جمهرة صالحة، تتطهر أخلاقها، وتزكوا أرواحها، فتصبح اقرب إلى قبول العقيدة وحملها، بدلاً من أن تثير دعوة(لا اله إلا الله) المعارضة القوية منذ أول الطريق. ولكن الله- سبحانه- كان يعلم أن ليس هذا هو الطريق!
كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرر القيم، كما تقرر السلطة التي تستند إليها هذه الموازين والقيم، والجزاء الذي تملكه هذه السلطة، وتوقعه على الملتزمين والمخالفين. وانه قبل تقرير هذه العقيدة، وتحديد هذه السلطة تظل القيم كلها متأرجحة وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك، بلا ضابط، وبلا سلطان، وبلا جزاء!
فلما تقررت العقيدة-بعد الشاق- وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة.. لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده.. لما تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء.. لما تقررت في القلوب(لا اله إلا الله).. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون.. تطهرت الأرض من(الرومان والفرس).. لا ليتقرر فيها سلطان(العرب). ولكن ليتقرر فيها سلطان(الله).. لقد تطهرت من سلطان(الطاغوت) كله.. رومانياً، وفارسياً، وعربياً، على السواء.
وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام(النظام الإسلامي)، يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده، ويسميها راية (الإسلام). لا يقرن إليها اسماً أخر، ويكتب عليها : (لا اله إلا الله)!
وتطهرت النفوس والأخلاق، وزكت القلوب والأرواح، دون أن يحتاج الأمر حتى للحدود والتعازير التي شرعها الله- إلا في الندرة النادرة- لان الرقابة قامت هناك في الضمائر، ولان الطمع في رضا الله وثوابه، والحياة والخوف من غضبه وعقابه، قد قاما مقام الرقابة ومكان العقوبات.
وارتفعت البشرية في نظامها، وفي اخلاقها، وفي حياتها كلها، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط، والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام.
ولقد تم هذا كله لان الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وإحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك. وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعداً واحداً، لا يدخل فيه الغلب والسلطان.. ولا حتى بهذا الدين على أيديهم.. وعداً واحداً لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا.. وعداً واحداً هو الجنة. هذا كل وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان، وهو: ( لا إله إلا الله)!
فلما أن ابتلاهم الله فصبروا، ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولما أن علم الله منهم انهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض- كائناً ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم- ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجد ولا قوم، ولا اعتزاز بوطن ولا ارض، ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت.. لما أن علم الله منهم ذلك كله، علم انهم قد اصبحوا- إذن- أمناء على هذه الأمانة الكبرى.. أمناء على العقيدة، التي يتفرد فيها الله- سبحانه- بالحاكمية في القلوب والضمائر، وفي السلوك والشعائر، وفي الأرواح والأموال، وفي الأوضاع والأحوال.. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لانفسهم، ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم، ولا لجنسهم. إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله، ولدينه وشريعته، لأنهم يعلمون انه من الله، هو الذي آتاهم إياه.
ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء. وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها.. راية لا اله إلا الله.. ولا ترفع معها سواها. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره، المبارك الميسر في حقيقته.
وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله، لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية، او دعوة اجتماعية، او دعوة أخلاقية.. او رفعت أي شعار جانب شعارها الواحد: (لا اله إلا الله). ذلك شأن القرآن المكي كله في تقرير: (لا اله إلا الله) في القلوب والعقول، واختيار هذا الطريق-على مشقته في الظاهر- وعدم اختيار السبل الجانبية الأخرى، والإصرار على هذا الطريق.
فأما شأن هذا القرآن في تناول قضية الاعتقاد وحدها، دون التطرق الى تفصيلات النظام الذي يقوم عليها، والشرائع التي تنظم المعاملات فيها، فذلك كذلك مما ينبغي أن يقف أمام أصحاب الدعوة لهذا الدين وقفة واعية.
إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بها.. فهو دين يقوم كله على القاعدة الألوهية الواحدة.. كل تعظيماته وكل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير.. وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة، الوارفة المديدة الظلال، المتشابكة الأغصان، الضاربة في الهواء.. لابد لها أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة، وفي مساحات واسعة، تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء.. فكذلك هذا الدين.. إن نظامه يتناول الحياة كلها، ويتولى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها ، وينظم حياة الإنسان- لا في الحياة الدنيا وحدها كذلك في الدار الآخرة، ولا في عالم الشهادة وحده ولكن كذلك في عالم الغيب المكنون عنها، ولا في المعاملات المادية الظاهرة وحدها ولكن كذلك في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا- فهو مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية، ولابد له إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة والعمق والانتشار أيضاً..
هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته، يحدد منهجه في بناء نفسه وفي امتداده، ويجعل بناء العقيدة وتمكينها، وشمول هذه العقيدة واستغراقها لشعب النفس كلها.. ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة، وضماناً من ضمانات الاحتمال، والتناسق بين الظاهر من الشجرة في الهواء والضارب من جذورها في الأعماق.
ومتى استقرت عقيدة: (لا إله إلا الله) في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه (لا إله إلا الله)، وتعين أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته. فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان.. وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس- فيما بعد- تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له..وهكذا أبطلت الخمر، وابطل الربا، وابطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها.. أبطلت بآيات من القرآن، او كلمات من الرسول-صلى الله عليه وسلم- بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها واعلامها، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات!
وجانب آخر من طبيعة هذا الدين يتجلى في هذا المنهج القويم. إن هذا الدين منهج عملي حركي جاد.. جاء ليحكم الحياة في واقعها، ويواجه هذا الواقع ليقضى فيه بأمره.. يقره، او يعدله، او يغيره من أساسه.. ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلاً، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده..
انه ليس(نظرية) تتعامل مع(الفروض) !.. انه(منهج)، يتعامل مع (الواقع) !.. فلابد اولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة: أن لا اله إلا الله، وان الحاكمية ليست إلا لله ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله، ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة..
وحين يقوم هذا المجتمع فعلاً، تكون له حياة واقعية، تحتاج إلى تنظيم والى تشريع.. وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع لقوم مستسلمين أصلاً للنظم والشرائع، رافضين أصلاً لغيرها من النظم والشرائع..
ولابد أن يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من سلطان على أنفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع حتى يكون للنظام هيبته، ويكون للشريعة جديتها.. فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من واقعية تقتضي الأنظمة والشرائع من فورها..
والمسلمون في مكة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم. وما كانت لهم حياة واقعية مستقلة هم الذين ينظمونها بشريعة الله.. ومن ثم لم ينزل الله في هذه الفترة تنظيمات وشرائع، وإنما نزَل لهم عقيدة، وخلقاً منبثقاً من هذه العقيدة بعد استقرارها في الأعماق البعيدة.. فلما أن صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان، تنزلت عليهم الشرائع، وتقرر لهم النظام الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية، والذي تكفل له الدولة بسلطاتها الجدية النفاذ.
ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة، ليختزنوها جاهزة حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة! أن هذه ليست طبيعة هذا الدين!.. انه اشد واقعية من هذا واكثر جدية!.. انه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولاً.. إنما يواجه الواقع حين يكون واقع مجتمع مسلم مستسلم لشريعة الله رافض لشريعة سواه بحجمه وشكله وملابساته وظروفه، ليشرع له، وفق حجمه وشكله وملابساته وظروفه.
والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ نظريات وان يصوغ قوالب نظام، وان يصوغ تشريعات للحياة.. بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلاً تحكيم شريعة الله وحدها، ورفض كل شريعة سواها، مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه.. الذين يريدون من الإسلام هذا، لا يدركون طبيعة هذا الدين، ولا كيف يعمل في الحياة.. كما يريد له الله..
انهم يريدون منه ان يغير طبيعته ومنهجه وتاريخه ليشابه نظريات بشرية، ومناهج بشرية، ويحاولون أن يستعجلوه عن طريقه وخطواته ليلبي رغبات وقتية في نفوسهم، رغبات إنما تنشئها الهزيمة الداخلية في أرواحهم تجاه أنظمة بشرية صغيرة.. يريدون منه أن يصوغ نفسه في قالب نظريات وفروض، تواجه مستقبلاً غير موجود.. والله يريد لهذا الدين أن يكون كما أراده.. عقيدة تملأ القلب، وتفرض سلطانها على الضمير، عقيدة مقتضاها ألا يخضع الناس إلا لله، وألا يتلقوا الشرائع إلا منه دون سواه.. وبعد أن يوجد الناس الذين هذه عقيدتهم، ويصبح لهم السلطان الفعلي في مجتمعهم، تبدأ التشريعات لمواجهة حاجاتهم الواقعية، وتنظيم حياتهم الواقعية كذلك.
هذا ما يريده الله لهذا الدين.. ولن يكون إلا ما يريده الله، مهما كانت رغبات الناس!
كذلك ينبغي ان يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية انهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة- حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون!- يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو(أولا) إقرار عقيدة(لا اله إلا الله)- بعدلها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم، إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم..
ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام، كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة.. هذه الدعوة التي تكفل بها القرآن المكي طوال ثلاثة عشر عاماً كاملة .. فإذا دخل في هذا الدين - بمفهومه هذا الأصيل-عصبة من الناس .. فهذه العصبة هي التي يطلق عليها اسم (المجتمع المسلم) .. المجتمع الذي يصلح لمزاولة النظام الإسلامي في حياته الاجتماعية، لأنه قرر بينه وبين نفسه أن تقوم حياته كلها على هذا الأساس، وألا يحكم في حياته كلها إلا الله.
وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه، كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية، في إطار الأسس العامة للنظام الإسلامي .. فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي .. فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي الواقعي العملي الجاد.
ولقد يخيل لبعض المخلصين المتعجلين، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين، وطبيعة منهجه الرباني القويم، المؤسس على حكمة العليم الحكيم وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة .. نقول: لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك- على الناس، مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس في هذا الدين!
وهذا وَهْمٌ تنشئه العجلة! وَهْمٌ كالذي كان يمكن أن يقترحه المقترحون: أن تقوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها تحت راية قومية، أو راية اجتماعية، أو راية أخلاقية، تيسيراً للطريق!
إن القلوب يجب أن تخلص أولاً لله، وتعلن عبوديتها له وحده، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره.. من ناحية المبدأ .. قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه!
إن الرغبة يجب أن تنبثق من إخلاص العبودية لله، والتحرر من سلطان سواه، لا من أن النظام المعروض عليها .. في ذاته .. خير مما لديها من الأنظمة في كذا وكذا على وجه التفصيل.
إن نظام الله خير في ذاته، لأنه من شرع الله .. ولن يكون شرع العبيد يوماً كشرع الله .. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة. إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده أيَّاً كان، هو ذاته الإسلام، وليس للإسلام مدلول سواه، فمن رغب في الإسلام ابتداء فقد فصل في القضية، ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان!
وبعد، فلا بد أن نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاماً .. إنه لم يعرضها في صورة (نظرية) ولا في صورة (لاهوت)! ولم يعرضها في سورة جدل كلامي كالذي زاوله ما يسمى (علم التوحيد)!
كلا! لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة (الإنسان) بما في وجوده هو وبما في الوجود حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها، ويفتح منافذ الفطرة، لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها.
هذا بصفة عامة 00 وبصفة خاصة كان القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حية واقعية .. كان يخوض بها معركة مع الركام المعطل للفطرة في نفوس آدمية حاضرة واقعة .. ومن ثم لم يكن شكل (النظرية) هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الخاص. إنما هو شكل المواجهة الحية للعقابيل والسدود والحواجز والمعوِّقات النفسية والواقعية في النفوس الحاضرة الحية .. ولم يكن الجدل الذهني - القائم على المنطق الشكلي- الذي سار عليه في العصور المتأخرة علم التوحيد، هو الشكل المناسب كذلك .. فلقد كان القرآن يواجه (واقعاً) بشريّاً كاملاً بكل ملابساته الحية، ويخاطب الكينونة البشرية بجملتها في خضم هذا الواقع.. وكذلك لم يكن (اللاهوت) هو الشكل المناسب. فإن العقيدة الإسلامية، ولو أنها عقيدة، إلا أنها تمثل منهج حياة واقعية للتطبيق العملي، ولا تقبع في الزاوية الضيقة التي تقبع فيها الأبحاث اللاهوتية النظرية!
كان القرآن، وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة، يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها، كما يخوض بها معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها هي وأخلاقها وواقعها 00 ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة لا في صورة (نظرية) وفي صورة (لاهوت)، ولا في صورة (جدل كلامي) .. ولكن في صورة تجمع عضوي حيوي وتكوين تنظيمي مباشر للحياة، ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها، وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي، وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية كمنظمة محاربة لها.. كان هذا النمو ذاته ممثلاً تماماً لنمو البناء العقيدي، وترجمة حية له .. وهذا هو منهج الإسلام الذي يمثل طبيعته كذلك.
وإنه لمن الضروري لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على هذا النحو الذي بيّنّاه. ذلك ليعلموا أن مرحلة بناء العقيدة التي طالبت في العهد المكي على هذا النحو، لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العملي للحركة الإسلامية، والبناء الواقعي للجماعة المسلمة. لم تكن مرحلة تلقِّي (النظرية) ودراستها! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعدي للعقيدة وللجماعة وللحركة وللوجود الفعلي معاً .. وهكذا ينبغي أن تكون كلما أريد إعادة هذا البناء مرة أخرى.
هكذا ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة، وأن تتم خطوات البناء على مهل، وفي عمق وتثبت .. ثم هكذا ينبغي ألا تكون مرحلة دراسة نظرية للعقيدة، ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة -أولاً بأول- في صورة حية، متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة ومتمثلة في بناء جماعي وتجمع حركي، يعبر نموه من داخله ومن خارجه عن نمو العقيدة ذاتها، ومتمثلة في حركة واقعية تواجه الجاهلية، وتخوض معها المعركة في الضمير وفي الواقع كذلك، لتتمثل العقيدة حية، وتنمو نمواً حياً في خضم المعركة.
وخطأ أي خطأ - بالقياس إلى الإسلام- أن تتبلور العقيدة في صورة (نظرية) مجردة للدراسة الذهنية.. المعرفية الثقافية .. بل خطر أي خطر كذلك.
إن القرآن لم يقض ثلاثة عشر عاماً كاملة في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزل للمرة الأولى .. كلا! فلو أراد الله لأنزل هذا القرآن جملة واحدة، ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشرة عاماً، أو أكثر أو أقل، حتى يستوعبوا (النظرية الإسلامية).
ولكن الله -سبحانه- كان يريد أمراً آخر، كان يريد منهجاً معيناً متفرداً، كان يريد بناء جماعة وبناء حركة وبناء عقيدة في وقت واحد.. كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة .. كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الحركي الفعلي، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو الصورة المجسمة للعقيدة.. وكان الله -سبحانه- يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة، فلم يكن هنالك بد أن يستغرق بناء العقيدة المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة.. حتى إذا نضج التكوين العقيدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعي لهذا النضوج.
هذه هي طبيعة هذا الدين -كما تستخلص من منهج القرآن المكي- ولا بد أن نعرف طبيعته هذه، وألا نحاول تغييرها تلبية لرغبات معجلة مهزومة أمام أشكال النظريات البشرية! فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة، وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد فيها أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود كما أخرجها الله أول مرة.
يجب أن ندرك خطأ المحاولة وخطرها معاً، في تحويل العقيدة الإسلامية الحية التي تحب أن تتمثل في واقع نَامٍ حي متحرك، وفي تجمع عضوي حركي .. تحويلها عن طبيعتها هذه إلى (نظرية) للدراسة والمعرفة الثقافية، لمجرد أننا نريد أن نواجه النظريات البشرية الهزيلة بـ (نظرية إسلامية).
إن العقيدة الإسلامية تحب أن تتمثل في نفوس حية، وفي تنظيم واقعي، وفي تجمع عضوي، وفي حركة تتفاعل مع الجاهلية من حولها، كما تتفاعل مع الجاهلية الراسبة في نفوس أصحابها - بوصفهم كانوا من أهل الجاهلية قبل أن تدخل العقيدة في نفوسهم، وتنتزعها من الوسط الجاهلي-وهي في صورتها هذه تشغل من القلوب والعقول -ومن الحياة أيضاً- مساحة أضخم وأوسع وأشمل مما تشغله (النظرية). وتشمل -فيما تشمل- مساحة النظرية ومادتها، ولكنها لا تقتصر عليها.
إن التصور الإٍسلامي للألوهية، وللوجود الكوني، وللحياة، وللإنسان .. تصور شامل كامل. ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي. وهو يكره -بطبيعته- أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي، لأن هذا يخالف طبيعته وغايته. ويجب أن يتمثل في أناسى، وفي تنظيم حي، وفي حركة واقعية .. وطريقته في التكوين أن ينمو من خلال الأناسى والتنظيم الحي والحركة الواقعية، حتى يكتمل نظرياً في نفس الوقت الذي يكتمل فيه واقعياً- ولا ينفصل في صورة (النظرية) بل يظل ممثلاً في صورة (الواقع) الحركي..
وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي، ولا يتمثل من خلاله، هو خطأ وخطر كذلك، بالقياس إلى طبيعة هذا الدين وغايته، وطريقة تركيبه الذاتي. والله -سبحانه- يقول:
{وقرآناً فَرَقناه لتقراه على الناس على مُكْثٍ ونزلناه تنزيلاً} .. [الإسراء: 106]
فالفرق مقصود. والمكث مقصود كذلك، ليتم البناء التكويني، المؤلف من عقيدة في صورة (منظمة حية) لا في صورة (نظرية)!
يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيّداً أنه -كما إنه في ذاته دين رباني- فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك. متواف مع طبيعته، وإنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل.
ويجب أن يعرفوا كذلك أن هذا الدين -كما إنه جاء ليغير التصور الاعتقادي، ومن ثم يغير الواقع الحيوي- فكذلك هو قد جاء ليغير المنهج الذي يبنى به التصور الاعتقادي، ويغير به الواقع الحيوي .. جاء ليبني عقيدة وهو يبني أمة .. ثم لينشئ منهج تفكير خاصاً به، بنفس الدرجة التي ينشئ بها تصوراً اعتقادياً وواقعاً حيوياً. ولا انفصال بين منهج تفكيره الخاص، وتصوره الاعتقادي الخاص، وبنائه الحيوي الخاص.. فكلها حزمة واحدة..
فإذا نحن عرفنا منهجه في العمل على النحو الذي بيناه، فلنعرف أن هذا المنهج أصيل، وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى، إنما هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين -في أي وقت- إلا به.
إنه لم تكن وظيفة الإسلام أن يغير عقيدة الناس وواقعهم فحسب، ولكن كانت وظيفته كذلك أن يغير منهج تفكيرهم، وتناولهم للتصور وللواقع، ذلك أنه منهج رباني مخالف في طبيعته كلها لمناهج البشر القاصرة الهزيلة.
ونحن لا نملك أن نصل إلى التصور الرباني وإلى الحياة الربانية، إلا عن طريق منهج تفكير رباني كذلك، المنهج الذي أراد الله أن يقيم منهج تفكير الناس على أساسه، ليصح تصورهم الاعتقادي وتكوينهم الحيوي.
نحن، حين نريد من الإسلام أن يجعل من نفسه (نظرية) للدراسة، نخرج به عن طبيعة منهج التكوين الرباني، وعن طبيعة منهج التفكير الرباني كذلك، ونخضع الإسٍلام لمناهج التفكير البشرية! وكأنما نريد لنرتقي بمنهج الله في التصور والحركة ليوازي مناهج العبيد!
والأمر من هذه الناحية يكون خطيراً، والهزيمة تكون قاتلة.
إن وظيفة المنهج الرباني أن يعطينا -نحن أصحاب الدعوة الإسلامية- منهجاً خاصاً للتفكير، نبرأ به من رواسب مناهج التفكير الجاهلية السائدة في الأرض، والتي تضغط على عقولنا، وتترسب في ثقافتنا . فإذا نحن أردنا أن نتناول هذا لدين بمنهج تفكير غريب عن طبيعته، من مناهج التفكير الجاهلية الغالبة، كنا قد أبطلنا وظيفته التي جاء ليؤديها للبشرية، وحرمنا أنفسنا فرصة الخلاص من ضغط المنهج الجاهلي السائد في عصرنا، وفرصة الخلاص من رواسبه في عقولنا وتكويننا.
والأمر من هذه الناحية يكون خطيراً كذلك، والخسارة تكون قاتلة.
إن منهج التفكير والحركة في بناء الإسلام، لا يقل قيمة ولا ضرورة عن منهج التصور الاعتقادي والنظام الحيوي، ولا ينفصل عنه كذلك. ومهما يخطر لنا أن نقدم هذا التصور وهذا النظام في صورة تعبيرية، فيجب ألا يغيب عن بالنا أن هذا لا ينشئ (الإٍسلام) في الأرض في صورة حركة واقعية، بل يجب ألا يغيب عن بالنا أنه لن يفيد من تقديمنا الإسلام في هذه الصورة إلا المشتغلون فعلاً بحركة إسلامية واقعية، وأن قصارى ما يفيده هؤلاء أنفسهم من تقديم الإسلام لهم في هذه الصورة هو أن يتفاعلوا معها بالقدر الذي وصلوا هم إليه فعلاً في أثناء الحركة.
ومرة أخرى أكرر أن التصور الاعتقادي يجب أن يتمثل من فوره في تجمع حركي، وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلاً صحيحاً وترجمة حقيقة للتصور الاعتقادي.
ومرة أخرى أكرر كذلك أن هذا هو المنهج الطبيعي للإسلام الرباني، وأنه منهج أعلى وأقوم، وأشد فاعلية، وأكثر انطباقاً على الفطرة البشرية من منهج صياغة النظريات كاملة مستقلة وتقديمها في الصورة الذهنية الباردة للناس، قبل أني كون هؤلاء الناس مشتغلين فعلاً بحركة واقعية، وقبل أن يكونوا هم أنفسهم ترجمة حية، تنمو خطوة خطوة لتمثيل ذلك المفهوم النظري.
وإذا صح هذا في الأصل النظري فهو أصح بطبيعة الحال فيما يختص بتقديم أسس النظام الذي يتمثل فيه التصور الإسلامي، أو تقديم التشريعات المفصلة لهذا النظام.
إن الجاهلية التي حولنا -كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية، فتجعلهم يتعجلون خطوات المنهج الإسلامي -هي كذلك تتعمد أحياناً أن تحرجهم. فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ودراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة! كأن الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام في الأرض هو مجرد الأحكام الفقهية والبحوث الفقهية الإسلامية. وكأنما هم مستسلمون لحاكمية الله راضون بأن تحكمهم شريعته، ولكنهم فقط لا يجدون من (المجتهدين) فقهاً مقنناً بالطريقة الحديثة! .. وهي سخرية هازلة يجب أن يرتفع عليها كل ذي قلب يحس لهذا الدين بحرمة !
إن الجاهلية لا تريد بهذا الإحراج إلا أن تجد لنفسها تعلة في نبذ شريعة الله، واستبقاء عبودية البشر للبشر.. وإلاَّ أن تصرف العصبة المسلمة عن منهجها الرباني، فتجعلنا تتجاوز مرحلة بناء العقيدة في صورة حركية، وأن تحول منهج أصحاب الدعوة الإسلامية عن طبيعته التي تتبلور فيها النظرية من خلال الحركة، وتتحدد ملامح النظام من خلال الممارسة، وتسن فيها التشريعات في مواجهة الحياة الإسلامية الواقعية بمشكلاتها الحقيقية.
ومن واجب أصحاب الدعوة الإسلامية ألا يستجيبوا للمناورة! من واجبهم أن يرفضوا إملاء منهج غريب على حركتهم وعلى دينهم! من واجبهم ألا يستخفهم الذين لا يوقنون!
ومن واجبهم أن يكشفوا مناورة الإحراج، وأن يستعلوا عليها، وأن يرفضوا السخرية الهازلة في ما يسمى (تطوير الفقه الإسلامي) في مجتمع لا يعلن خضوعه لشريعة الله ورفضه لكل شريعة سواها. من واجبهم أن يرفضوا هذه التلهية عن العمل الجاد .. التلهية باستنبات البذور في الهواء .. وأن يرفضوا هذه الخدعة الخبيثة!
ومن واجبهم أن يتحركوا وفق منهج هذا الدين في الحركة. فهذا من أسرار قوته. وهذا هو مصدر قوتهم كذلك.
إن (المنهج) في الإسلام يساوي (الحقيقة). ولا انفصام بينهما. وكل منهج غريب لا يمكن أن يحقق الإسلام في النهاية. والمناهج الغريبة يمكن أن تحقق أنظمتها البشرية. ولكنها لا يمكن أن تحقق منهجنا. فالتزام المنهج ضروري كالتزام العقيدة وكالتزام النظام في كل حركة إسلامية..
{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }..
ظل القران المكي ينزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر عاماً كاملة، يحدَثه فيها عن قضية واحدة. قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر. ذلك الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى.
لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية، في هذا الدين الجديد.. قضية العقيدة.. ممثلة في قاعدتها الرئيسية.. الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.
لقد كان بخاطب بهذه الحقيقة (الإنسان).. الإنسان بما انه إنسان.. وفي هذا المجال يستوي الإنسان العربي في ذلك الزمان والإنسان العربي في كل زمان، كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان. في ذلك الزمان وفي كل زمان!
إنها قضية (الإنسان) التي لا تتغير. لأنها قضية وجود في هذا الكون وقضية مصيره. قضية علاقته بهذا الكون وبهؤلاء الأحياء. وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء. وهي قضية لا تتغير ، لأنها قضية الوجود والإنسان.
لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجوده ووجود هذا الكون من حوله.. كان يقول له: من هو؟ ومن أين جاء؟ ولماذا جاء؟ والى أين يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ ومن ذا الذي يذهب به؟ وما مصيره هناك؟ وكان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس أن وراءه غيباً يستشرفه ولا يراه؟ من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟ من ذا يدبره؟ ومن ذا يحوره؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟.. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون، ومع الكون أيضاً، كما يبين له: كيف يتعامل العباد مع العباد؟
وكانت هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود (الإنسان). وستظل هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده على توالي الأزمان.
وهكذا انقضت ثلاثة عشر عاماً كاملة في تقرير هذه القضية الكبرى، القضية التي ليس وراءها شيء في حياة الإنسان إلا ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات.
ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة، إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان، وأنها استقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان، التي قدر الله أن يقوم هذا الدين عليها، وان تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين.
وأصحاب الدعوة إلى دين الله، والى إقامة النظام الذي يتمثل فيه هذا الدين في واقع الحياة، خليقون أن يقفوا طويلا أمام هذه الظاهرة الكبيرة، ظاهرة تصدي القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عاماً لتقرير هذه العقيدة، ثم وقوفه عندها لا يتجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها، والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها.
لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى لها الدعوة منذ اليوم الأول للرسالة، وان يبدأ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس أن يشهدوا: أن لا اله إلا الله، وان يمضي في دعوته يعرف الناس بربهم الحق، ويعبدهم له دون سواه.
ولم تكن هذه -في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب- هي ايسر السبل إلى قلوب العرب! فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى (إله) ومعنى: (لا إله إلا الله).كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا.. وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وأفراد الله-سبحانه- بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، وردَه كله إلى الله.. السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال ، والسلطان في القضاء،والسلطان في الأرواح والأبدان.. كانوا يعلمون أن(لا اله إلا الله) ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله.. ولم يكن يغيب عن العرب-وهم يعرفون لغتهم جيداً ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة-(لا اله إلا الله)- ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياساتهم وسلطانهم، ومن استقبلوا هذه الدعوة-او هذه الثورة- ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام..
فَلِمَ كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة؟ ولم اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناء؟
لقد بُعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بهذا الدين،واخصب بلاد العرب وأغناها ليست في يد العرب، إنما هي في أيدي غيرهم من الأجناس!
بلاد الشام كلها في الشمال خاضعة للروم،يحكمها أمراء عرب من قبل الروم، وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس، يحكمها أمراء عرب من قبل الفرس، وليست في أيدي العرب إلا الحجاز تهامة ونجد، وما إليها من الصحاري القاحلة التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك!
وربما قيل انه في كان استطاعة محمد -صلى الله عليه وسلم-وهو الصادق الأمين الذي حكَمه أشراف قريش من قبل في وضع الحجر الأسود، وارتضوا حكمه،منذ خمسة عشر عاماً قبل الرسالة، والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسباً.. انه كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب التي أكلتها الثارات ومزقتها النزاعات، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة.. الرومان في الشمال والفرس في الجنوب.. وإعلاء راية العربية والعروبة، وإنشاء وحدة قومية في كل أرجاء الجزيرة.
وربما قيل:انه لو دعا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة، بدلا من أن يعاني ثلاثة عشر عاماً في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة!
وربما قيل: أن محمداً-صلى الله عليه وسلم- كان خليقاً- بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة، وبعد أن يولَوه فيهم القيادة والسيادة، وبعد استجماع السلطان في يديه، والمجد فوق مفرقيه-أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعث بها، في تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَدهم لسلطانه البشرى!
ولكن الله-سبحانه- وهو العليم الحكيم، لم يوجه رسوله- صلى الله عليه وسلم- هذا التوجيه! إنما وجهه إلى أن يصدع بـ (لا اله إلا الله) ، وان يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء !
لماذا ؟ أن الله-سبحانه- لا يريد أن يعنت رسوله والمؤمنين معه. إنما هو-سبحانه- يعلم أن هذا ليس هو الطريق،ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني او طاغوت فارسي، إلى يد طاغوت عربي. فالطاغوت كله طاغوت! إن الأرض لله، ويجب أن تخلص لله. ولا تخلص لله إلا أن ترفع كلمة (لا اله إلا الله). وليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت روماني او فارسي، إلى طاغوت عربي. فالطاغوت كله طاغوت! أن الناس عبيد لله وحده، ولا يكونون عبيداً لله إلا أن ترتفع راية(لا اله إلا الله)-لا اله إلا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته،: لا حاكمية إلا الله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على احد، لان السلطان كله لله، ولان( الجنسية) التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله.
وهذا هو الطريق..
وبعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بهذا الدين، والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعا ًللثروة والعدالة. قلة قليلة تملك المال والتجارة، وتتعامل بالربا فتتضاعف تجارتها ومالها. وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع. والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة، وجماهير كثيرة ضائعة من المال والمجد جميعاً!
وربما قيل: أنه كان في استطاعة محمد-صلى الله عليه وسلم- أن يرفعها راية اجتماعية، وان يثيرها حرباً على طبقة الأشراف، وان يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع، ورد أموال الأغنياء على الفقراء!
وربما قيل: انه لو دعا يومها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-هذه الدعوة، لانقسم المجتمع العربي صفين: الكثرة الغالبة مع الدعوة الجديدة في وجه طغيان المال والشرف والجاه، والقلة القليلة مع هذه الموروثات ، بدلا من أن يقف المجتمع كله صفاً في وجه (لا اله إلا الله) التي لم يرتفع إلى افقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس!
وربما قيل: أن محمداً-صلى الله عليه وسلم-كان خليقاً بعد أن تستجيب له الكثرة، وتوليه قيادها، فيغلب بها القلة ويسلس له مقادها، ان يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَدهم لسلطانه البشرى!
لكن الله-سبحانه- وهو العليم الحكيم، لم يوجهه هذا التوجيه..
لقد كان الله-سبحانه- يعلم أن هذا ليس هو الطريق.. كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لابد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل، يرد الأمر كله لله، ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة التوزيع، ومن تكافل الجميع، ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه سواء انه ينفذ نظاماً شرعه الله، ويرجوا على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء. فلا تمتلئ قلوب بالطمع ولا تمتلئ قلوب بالحقد، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا وبالتخويف والإرهاب! ولا تفسد القلوب كلها وتختنق الأرواح، كما يقع في الأوضاع التي تقوم على غير(لا اله إلا الله).
وبُعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى- إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية.
كان التظالم فاشيا في المجتمع، تعبر عنه حكمة الشاعر(زهير بن أبي سلمى):
و من لم يذد عن حوضه بسلاحه *** يهدَّم، ومن لا يظلم الناس يُظلمِ
ويعبر عن القول المتعارف في الجاهلية:(انصر أخاك ظالماً او مظلوماً).
وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية، ومن مفاخره كذلك يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته.. كالذي يقول طرفة بن العبد:
فلولا ثلاث هن من عيشـة الفتى *** وجدَك لم احفل متى قــام عوَّدي
فمنهن سبقى العاذلات بشــربة *** كـميت متى ما تعل بالماء تزبــد
وما زال تشاربي الخـمور ولذتي *** وبذلـي وإنفاقي طريقــي وتالدي
إلى أن تحامتنى العشـيرة كلهـا *** وأفردت إفـراد البعـير المعبًّــد
وكانت الدعارة- في صور شتى- من معالم هذا المجتمع- شأنه شأن كل مجتمع جاهلي قديم او حديث- كالتي روته عائشة رضي الله عنها :
(أن النكاح في الجاهلية كان على أربع أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم.. يخطب الرجل إلى الرجل وليَته او ابنته، فيصدقها ثم ينكحها.. والنكاح الأخر كان الرجل يقول لامرأته- إذا طهرت من طمثها- : أرسلي إلى فلان فاستبعضي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها ابدً حتى يتبين حملها من ذلك الذي تستضع منه، فإذا تبين حملها أصابها الرجل إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها. فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها ، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل.. والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع من جاءها .. وهن البغايا.. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم الحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه، ودعى ابنه لا يمتنع عن ذلك).
وربما قيل: انه كان قي استطاعة محمد-صلى الله عليه وسلم- أن يعلنها دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس.
وربما قيل: انه-صلى الله عليه وسلم- كان واجداً وقتها- كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة- نفوساً طيبة يؤذيها هذا الدنس.
وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير.
وربما قال قائل: انه لو صنع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك لاستجابت له- في أول الأمر- جمهرة صالحة، تتطهر أخلاقها، وتزكوا أرواحها، فتصبح اقرب إلى قبول العقيدة وحملها، بدلاً من أن تثير دعوة(لا اله إلا الله) المعارضة القوية منذ أول الطريق. ولكن الله- سبحانه- كان يعلم أن ليس هذا هو الطريق!
كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرر القيم، كما تقرر السلطة التي تستند إليها هذه الموازين والقيم، والجزاء الذي تملكه هذه السلطة، وتوقعه على الملتزمين والمخالفين. وانه قبل تقرير هذه العقيدة، وتحديد هذه السلطة تظل القيم كلها متأرجحة وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك، بلا ضابط، وبلا سلطان، وبلا جزاء!
فلما تقررت العقيدة-بعد الشاق- وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة.. لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده.. لما تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء.. لما تقررت في القلوب(لا اله إلا الله).. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون.. تطهرت الأرض من(الرومان والفرس).. لا ليتقرر فيها سلطان(العرب). ولكن ليتقرر فيها سلطان(الله).. لقد تطهرت من سلطان(الطاغوت) كله.. رومانياً، وفارسياً، وعربياً، على السواء.
وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام(النظام الإسلامي)، يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده، ويسميها راية (الإسلام). لا يقرن إليها اسماً أخر، ويكتب عليها : (لا اله إلا الله)!
وتطهرت النفوس والأخلاق، وزكت القلوب والأرواح، دون أن يحتاج الأمر حتى للحدود والتعازير التي شرعها الله- إلا في الندرة النادرة- لان الرقابة قامت هناك في الضمائر، ولان الطمع في رضا الله وثوابه، والحياة والخوف من غضبه وعقابه، قد قاما مقام الرقابة ومكان العقوبات.
وارتفعت البشرية في نظامها، وفي اخلاقها، وفي حياتها كلها، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط، والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام.
ولقد تم هذا كله لان الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وإحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك. وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعداً واحداً، لا يدخل فيه الغلب والسلطان.. ولا حتى بهذا الدين على أيديهم.. وعداً واحداً لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا.. وعداً واحداً هو الجنة. هذا كل وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان، وهو: ( لا إله إلا الله)!
فلما أن ابتلاهم الله فصبروا، ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولما أن علم الله منهم انهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض- كائناً ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم- ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجد ولا قوم، ولا اعتزاز بوطن ولا ارض، ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت.. لما أن علم الله منهم ذلك كله، علم انهم قد اصبحوا- إذن- أمناء على هذه الأمانة الكبرى.. أمناء على العقيدة، التي يتفرد فيها الله- سبحانه- بالحاكمية في القلوب والضمائر، وفي السلوك والشعائر، وفي الأرواح والأموال، وفي الأوضاع والأحوال.. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لانفسهم، ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم، ولا لجنسهم. إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله، ولدينه وشريعته، لأنهم يعلمون انه من الله، هو الذي آتاهم إياه.
ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء. وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها.. راية لا اله إلا الله.. ولا ترفع معها سواها. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره، المبارك الميسر في حقيقته.
وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله، لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية، او دعوة اجتماعية، او دعوة أخلاقية.. او رفعت أي شعار جانب شعارها الواحد: (لا اله إلا الله). ذلك شأن القرآن المكي كله في تقرير: (لا اله إلا الله) في القلوب والعقول، واختيار هذا الطريق-على مشقته في الظاهر- وعدم اختيار السبل الجانبية الأخرى، والإصرار على هذا الطريق.
فأما شأن هذا القرآن في تناول قضية الاعتقاد وحدها، دون التطرق الى تفصيلات النظام الذي يقوم عليها، والشرائع التي تنظم المعاملات فيها، فذلك كذلك مما ينبغي أن يقف أمام أصحاب الدعوة لهذا الدين وقفة واعية.
إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بها.. فهو دين يقوم كله على القاعدة الألوهية الواحدة.. كل تعظيماته وكل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير.. وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة، الوارفة المديدة الظلال، المتشابكة الأغصان، الضاربة في الهواء.. لابد لها أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة، وفي مساحات واسعة، تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء.. فكذلك هذا الدين.. إن نظامه يتناول الحياة كلها، ويتولى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها ، وينظم حياة الإنسان- لا في الحياة الدنيا وحدها كذلك في الدار الآخرة، ولا في عالم الشهادة وحده ولكن كذلك في عالم الغيب المكنون عنها، ولا في المعاملات المادية الظاهرة وحدها ولكن كذلك في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا- فهو مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية، ولابد له إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة والعمق والانتشار أيضاً..
هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته، يحدد منهجه في بناء نفسه وفي امتداده، ويجعل بناء العقيدة وتمكينها، وشمول هذه العقيدة واستغراقها لشعب النفس كلها.. ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة، وضماناً من ضمانات الاحتمال، والتناسق بين الظاهر من الشجرة في الهواء والضارب من جذورها في الأعماق.
ومتى استقرت عقيدة: (لا إله إلا الله) في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه (لا إله إلا الله)، وتعين أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته. فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان.. وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس- فيما بعد- تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له..وهكذا أبطلت الخمر، وابطل الربا، وابطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها.. أبطلت بآيات من القرآن، او كلمات من الرسول-صلى الله عليه وسلم- بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها واعلامها، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات!
وجانب آخر من طبيعة هذا الدين يتجلى في هذا المنهج القويم. إن هذا الدين منهج عملي حركي جاد.. جاء ليحكم الحياة في واقعها، ويواجه هذا الواقع ليقضى فيه بأمره.. يقره، او يعدله، او يغيره من أساسه.. ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلاً، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده..
انه ليس(نظرية) تتعامل مع(الفروض) !.. انه(منهج)، يتعامل مع (الواقع) !.. فلابد اولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة: أن لا اله إلا الله، وان الحاكمية ليست إلا لله ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله، ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة..
وحين يقوم هذا المجتمع فعلاً، تكون له حياة واقعية، تحتاج إلى تنظيم والى تشريع.. وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع لقوم مستسلمين أصلاً للنظم والشرائع، رافضين أصلاً لغيرها من النظم والشرائع..
ولابد أن يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من سلطان على أنفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع حتى يكون للنظام هيبته، ويكون للشريعة جديتها.. فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من واقعية تقتضي الأنظمة والشرائع من فورها..
والمسلمون في مكة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم. وما كانت لهم حياة واقعية مستقلة هم الذين ينظمونها بشريعة الله.. ومن ثم لم ينزل الله في هذه الفترة تنظيمات وشرائع، وإنما نزَل لهم عقيدة، وخلقاً منبثقاً من هذه العقيدة بعد استقرارها في الأعماق البعيدة.. فلما أن صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان، تنزلت عليهم الشرائع، وتقرر لهم النظام الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية، والذي تكفل له الدولة بسلطاتها الجدية النفاذ.
ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة، ليختزنوها جاهزة حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة! أن هذه ليست طبيعة هذا الدين!.. انه اشد واقعية من هذا واكثر جدية!.. انه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولاً.. إنما يواجه الواقع حين يكون واقع مجتمع مسلم مستسلم لشريعة الله رافض لشريعة سواه بحجمه وشكله وملابساته وظروفه، ليشرع له، وفق حجمه وشكله وملابساته وظروفه.
والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ نظريات وان يصوغ قوالب نظام، وان يصوغ تشريعات للحياة.. بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلاً تحكيم شريعة الله وحدها، ورفض كل شريعة سواها، مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه.. الذين يريدون من الإسلام هذا، لا يدركون طبيعة هذا الدين، ولا كيف يعمل في الحياة.. كما يريد له الله..
انهم يريدون منه ان يغير طبيعته ومنهجه وتاريخه ليشابه نظريات بشرية، ومناهج بشرية، ويحاولون أن يستعجلوه عن طريقه وخطواته ليلبي رغبات وقتية في نفوسهم، رغبات إنما تنشئها الهزيمة الداخلية في أرواحهم تجاه أنظمة بشرية صغيرة.. يريدون منه أن يصوغ نفسه في قالب نظريات وفروض، تواجه مستقبلاً غير موجود.. والله يريد لهذا الدين أن يكون كما أراده.. عقيدة تملأ القلب، وتفرض سلطانها على الضمير، عقيدة مقتضاها ألا يخضع الناس إلا لله، وألا يتلقوا الشرائع إلا منه دون سواه.. وبعد أن يوجد الناس الذين هذه عقيدتهم، ويصبح لهم السلطان الفعلي في مجتمعهم، تبدأ التشريعات لمواجهة حاجاتهم الواقعية، وتنظيم حياتهم الواقعية كذلك.
هذا ما يريده الله لهذا الدين.. ولن يكون إلا ما يريده الله، مهما كانت رغبات الناس!
كذلك ينبغي ان يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية انهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة- حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون!- يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو(أولا) إقرار عقيدة(لا اله إلا الله)- بعدلها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم، إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم..
ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام، كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة.. هذه الدعوة التي تكفل بها القرآن المكي طوال ثلاثة عشر عاماً كاملة .. فإذا دخل في هذا الدين - بمفهومه هذا الأصيل-عصبة من الناس .. فهذه العصبة هي التي يطلق عليها اسم (المجتمع المسلم) .. المجتمع الذي يصلح لمزاولة النظام الإسلامي في حياته الاجتماعية، لأنه قرر بينه وبين نفسه أن تقوم حياته كلها على هذا الأساس، وألا يحكم في حياته كلها إلا الله.
وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه، كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية، في إطار الأسس العامة للنظام الإسلامي .. فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي .. فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي الواقعي العملي الجاد.
ولقد يخيل لبعض المخلصين المتعجلين، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين، وطبيعة منهجه الرباني القويم، المؤسس على حكمة العليم الحكيم وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة .. نقول: لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك- على الناس، مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس في هذا الدين!
وهذا وَهْمٌ تنشئه العجلة! وَهْمٌ كالذي كان يمكن أن يقترحه المقترحون: أن تقوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها تحت راية قومية، أو راية اجتماعية، أو راية أخلاقية، تيسيراً للطريق!
إن القلوب يجب أن تخلص أولاً لله، وتعلن عبوديتها له وحده، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره.. من ناحية المبدأ .. قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه!
إن الرغبة يجب أن تنبثق من إخلاص العبودية لله، والتحرر من سلطان سواه، لا من أن النظام المعروض عليها .. في ذاته .. خير مما لديها من الأنظمة في كذا وكذا على وجه التفصيل.
إن نظام الله خير في ذاته، لأنه من شرع الله .. ولن يكون شرع العبيد يوماً كشرع الله .. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة. إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده أيَّاً كان، هو ذاته الإسلام، وليس للإسلام مدلول سواه، فمن رغب في الإسلام ابتداء فقد فصل في القضية، ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان!
وبعد، فلا بد أن نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاماً .. إنه لم يعرضها في صورة (نظرية) ولا في صورة (لاهوت)! ولم يعرضها في سورة جدل كلامي كالذي زاوله ما يسمى (علم التوحيد)!
كلا! لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة (الإنسان) بما في وجوده هو وبما في الوجود حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها، ويفتح منافذ الفطرة، لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها.
هذا بصفة عامة 00 وبصفة خاصة كان القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حية واقعية .. كان يخوض بها معركة مع الركام المعطل للفطرة في نفوس آدمية حاضرة واقعة .. ومن ثم لم يكن شكل (النظرية) هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الخاص. إنما هو شكل المواجهة الحية للعقابيل والسدود والحواجز والمعوِّقات النفسية والواقعية في النفوس الحاضرة الحية .. ولم يكن الجدل الذهني - القائم على المنطق الشكلي- الذي سار عليه في العصور المتأخرة علم التوحيد، هو الشكل المناسب كذلك .. فلقد كان القرآن يواجه (واقعاً) بشريّاً كاملاً بكل ملابساته الحية، ويخاطب الكينونة البشرية بجملتها في خضم هذا الواقع.. وكذلك لم يكن (اللاهوت) هو الشكل المناسب. فإن العقيدة الإسلامية، ولو أنها عقيدة، إلا أنها تمثل منهج حياة واقعية للتطبيق العملي، ولا تقبع في الزاوية الضيقة التي تقبع فيها الأبحاث اللاهوتية النظرية!
كان القرآن، وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة، يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها، كما يخوض بها معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها هي وأخلاقها وواقعها 00 ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة لا في صورة (نظرية) وفي صورة (لاهوت)، ولا في صورة (جدل كلامي) .. ولكن في صورة تجمع عضوي حيوي وتكوين تنظيمي مباشر للحياة، ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها، وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي، وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية كمنظمة محاربة لها.. كان هذا النمو ذاته ممثلاً تماماً لنمو البناء العقيدي، وترجمة حية له .. وهذا هو منهج الإسلام الذي يمثل طبيعته كذلك.
وإنه لمن الضروري لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على هذا النحو الذي بيّنّاه. ذلك ليعلموا أن مرحلة بناء العقيدة التي طالبت في العهد المكي على هذا النحو، لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العملي للحركة الإسلامية، والبناء الواقعي للجماعة المسلمة. لم تكن مرحلة تلقِّي (النظرية) ودراستها! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعدي للعقيدة وللجماعة وللحركة وللوجود الفعلي معاً .. وهكذا ينبغي أن تكون كلما أريد إعادة هذا البناء مرة أخرى.
هكذا ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة، وأن تتم خطوات البناء على مهل، وفي عمق وتثبت .. ثم هكذا ينبغي ألا تكون مرحلة دراسة نظرية للعقيدة، ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة -أولاً بأول- في صورة حية، متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة ومتمثلة في بناء جماعي وتجمع حركي، يعبر نموه من داخله ومن خارجه عن نمو العقيدة ذاتها، ومتمثلة في حركة واقعية تواجه الجاهلية، وتخوض معها المعركة في الضمير وفي الواقع كذلك، لتتمثل العقيدة حية، وتنمو نمواً حياً في خضم المعركة.
وخطأ أي خطأ - بالقياس إلى الإسلام- أن تتبلور العقيدة في صورة (نظرية) مجردة للدراسة الذهنية.. المعرفية الثقافية .. بل خطر أي خطر كذلك.
إن القرآن لم يقض ثلاثة عشر عاماً كاملة في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزل للمرة الأولى .. كلا! فلو أراد الله لأنزل هذا القرآن جملة واحدة، ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشرة عاماً، أو أكثر أو أقل، حتى يستوعبوا (النظرية الإسلامية).
ولكن الله -سبحانه- كان يريد أمراً آخر، كان يريد منهجاً معيناً متفرداً، كان يريد بناء جماعة وبناء حركة وبناء عقيدة في وقت واحد.. كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة .. كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الحركي الفعلي، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو الصورة المجسمة للعقيدة.. وكان الله -سبحانه- يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة، فلم يكن هنالك بد أن يستغرق بناء العقيدة المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة.. حتى إذا نضج التكوين العقيدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعي لهذا النضوج.
هذه هي طبيعة هذا الدين -كما تستخلص من منهج القرآن المكي- ولا بد أن نعرف طبيعته هذه، وألا نحاول تغييرها تلبية لرغبات معجلة مهزومة أمام أشكال النظريات البشرية! فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة، وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد فيها أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود كما أخرجها الله أول مرة.
يجب أن ندرك خطأ المحاولة وخطرها معاً، في تحويل العقيدة الإسلامية الحية التي تحب أن تتمثل في واقع نَامٍ حي متحرك، وفي تجمع عضوي حركي .. تحويلها عن طبيعتها هذه إلى (نظرية) للدراسة والمعرفة الثقافية، لمجرد أننا نريد أن نواجه النظريات البشرية الهزيلة بـ (نظرية إسلامية).
إن العقيدة الإسلامية تحب أن تتمثل في نفوس حية، وفي تنظيم واقعي، وفي تجمع عضوي، وفي حركة تتفاعل مع الجاهلية من حولها، كما تتفاعل مع الجاهلية الراسبة في نفوس أصحابها - بوصفهم كانوا من أهل الجاهلية قبل أن تدخل العقيدة في نفوسهم، وتنتزعها من الوسط الجاهلي-وهي في صورتها هذه تشغل من القلوب والعقول -ومن الحياة أيضاً- مساحة أضخم وأوسع وأشمل مما تشغله (النظرية). وتشمل -فيما تشمل- مساحة النظرية ومادتها، ولكنها لا تقتصر عليها.
إن التصور الإٍسلامي للألوهية، وللوجود الكوني، وللحياة، وللإنسان .. تصور شامل كامل. ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي. وهو يكره -بطبيعته- أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي، لأن هذا يخالف طبيعته وغايته. ويجب أن يتمثل في أناسى، وفي تنظيم حي، وفي حركة واقعية .. وطريقته في التكوين أن ينمو من خلال الأناسى والتنظيم الحي والحركة الواقعية، حتى يكتمل نظرياً في نفس الوقت الذي يكتمل فيه واقعياً- ولا ينفصل في صورة (النظرية) بل يظل ممثلاً في صورة (الواقع) الحركي..
وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي، ولا يتمثل من خلاله، هو خطأ وخطر كذلك، بالقياس إلى طبيعة هذا الدين وغايته، وطريقة تركيبه الذاتي. والله -سبحانه- يقول:
{وقرآناً فَرَقناه لتقراه على الناس على مُكْثٍ ونزلناه تنزيلاً} .. [الإسراء: 106]
فالفرق مقصود. والمكث مقصود كذلك، ليتم البناء التكويني، المؤلف من عقيدة في صورة (منظمة حية) لا في صورة (نظرية)!
يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيّداً أنه -كما إنه في ذاته دين رباني- فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك. متواف مع طبيعته، وإنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل.
ويجب أن يعرفوا كذلك أن هذا الدين -كما إنه جاء ليغير التصور الاعتقادي، ومن ثم يغير الواقع الحيوي- فكذلك هو قد جاء ليغير المنهج الذي يبنى به التصور الاعتقادي، ويغير به الواقع الحيوي .. جاء ليبني عقيدة وهو يبني أمة .. ثم لينشئ منهج تفكير خاصاً به، بنفس الدرجة التي ينشئ بها تصوراً اعتقادياً وواقعاً حيوياً. ولا انفصال بين منهج تفكيره الخاص، وتصوره الاعتقادي الخاص، وبنائه الحيوي الخاص.. فكلها حزمة واحدة..
فإذا نحن عرفنا منهجه في العمل على النحو الذي بيناه، فلنعرف أن هذا المنهج أصيل، وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى، إنما هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين -في أي وقت- إلا به.
إنه لم تكن وظيفة الإسلام أن يغير عقيدة الناس وواقعهم فحسب، ولكن كانت وظيفته كذلك أن يغير منهج تفكيرهم، وتناولهم للتصور وللواقع، ذلك أنه منهج رباني مخالف في طبيعته كلها لمناهج البشر القاصرة الهزيلة.
ونحن لا نملك أن نصل إلى التصور الرباني وإلى الحياة الربانية، إلا عن طريق منهج تفكير رباني كذلك، المنهج الذي أراد الله أن يقيم منهج تفكير الناس على أساسه، ليصح تصورهم الاعتقادي وتكوينهم الحيوي.
نحن، حين نريد من الإسلام أن يجعل من نفسه (نظرية) للدراسة، نخرج به عن طبيعة منهج التكوين الرباني، وعن طبيعة منهج التفكير الرباني كذلك، ونخضع الإسٍلام لمناهج التفكير البشرية! وكأنما نريد لنرتقي بمنهج الله في التصور والحركة ليوازي مناهج العبيد!
والأمر من هذه الناحية يكون خطيراً، والهزيمة تكون قاتلة.
إن وظيفة المنهج الرباني أن يعطينا -نحن أصحاب الدعوة الإسلامية- منهجاً خاصاً للتفكير، نبرأ به من رواسب مناهج التفكير الجاهلية السائدة في الأرض، والتي تضغط على عقولنا، وتترسب في ثقافتنا . فإذا نحن أردنا أن نتناول هذا لدين بمنهج تفكير غريب عن طبيعته، من مناهج التفكير الجاهلية الغالبة، كنا قد أبطلنا وظيفته التي جاء ليؤديها للبشرية، وحرمنا أنفسنا فرصة الخلاص من ضغط المنهج الجاهلي السائد في عصرنا، وفرصة الخلاص من رواسبه في عقولنا وتكويننا.
والأمر من هذه الناحية يكون خطيراً كذلك، والخسارة تكون قاتلة.
إن منهج التفكير والحركة في بناء الإسلام، لا يقل قيمة ولا ضرورة عن منهج التصور الاعتقادي والنظام الحيوي، ولا ينفصل عنه كذلك. ومهما يخطر لنا أن نقدم هذا التصور وهذا النظام في صورة تعبيرية، فيجب ألا يغيب عن بالنا أن هذا لا ينشئ (الإٍسلام) في الأرض في صورة حركة واقعية، بل يجب ألا يغيب عن بالنا أنه لن يفيد من تقديمنا الإسلام في هذه الصورة إلا المشتغلون فعلاً بحركة إسلامية واقعية، وأن قصارى ما يفيده هؤلاء أنفسهم من تقديم الإسلام لهم في هذه الصورة هو أن يتفاعلوا معها بالقدر الذي وصلوا هم إليه فعلاً في أثناء الحركة.
ومرة أخرى أكرر أن التصور الاعتقادي يجب أن يتمثل من فوره في تجمع حركي، وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلاً صحيحاً وترجمة حقيقة للتصور الاعتقادي.
ومرة أخرى أكرر كذلك أن هذا هو المنهج الطبيعي للإسلام الرباني، وأنه منهج أعلى وأقوم، وأشد فاعلية، وأكثر انطباقاً على الفطرة البشرية من منهج صياغة النظريات كاملة مستقلة وتقديمها في الصورة الذهنية الباردة للناس، قبل أني كون هؤلاء الناس مشتغلين فعلاً بحركة واقعية، وقبل أن يكونوا هم أنفسهم ترجمة حية، تنمو خطوة خطوة لتمثيل ذلك المفهوم النظري.
وإذا صح هذا في الأصل النظري فهو أصح بطبيعة الحال فيما يختص بتقديم أسس النظام الذي يتمثل فيه التصور الإسلامي، أو تقديم التشريعات المفصلة لهذا النظام.
إن الجاهلية التي حولنا -كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية، فتجعلهم يتعجلون خطوات المنهج الإسلامي -هي كذلك تتعمد أحياناً أن تحرجهم. فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ودراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة! كأن الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام في الأرض هو مجرد الأحكام الفقهية والبحوث الفقهية الإسلامية. وكأنما هم مستسلمون لحاكمية الله راضون بأن تحكمهم شريعته، ولكنهم فقط لا يجدون من (المجتهدين) فقهاً مقنناً بالطريقة الحديثة! .. وهي سخرية هازلة يجب أن يرتفع عليها كل ذي قلب يحس لهذا الدين بحرمة !
إن الجاهلية لا تريد بهذا الإحراج إلا أن تجد لنفسها تعلة في نبذ شريعة الله، واستبقاء عبودية البشر للبشر.. وإلاَّ أن تصرف العصبة المسلمة عن منهجها الرباني، فتجعلنا تتجاوز مرحلة بناء العقيدة في صورة حركية، وأن تحول منهج أصحاب الدعوة الإسلامية عن طبيعته التي تتبلور فيها النظرية من خلال الحركة، وتتحدد ملامح النظام من خلال الممارسة، وتسن فيها التشريعات في مواجهة الحياة الإسلامية الواقعية بمشكلاتها الحقيقية.
ومن واجب أصحاب الدعوة الإسلامية ألا يستجيبوا للمناورة! من واجبهم أن يرفضوا إملاء منهج غريب على حركتهم وعلى دينهم! من واجبهم ألا يستخفهم الذين لا يوقنون!
ومن واجبهم أن يكشفوا مناورة الإحراج، وأن يستعلوا عليها، وأن يرفضوا السخرية الهازلة في ما يسمى (تطوير الفقه الإسلامي) في مجتمع لا يعلن خضوعه لشريعة الله ورفضه لكل شريعة سواها. من واجبهم أن يرفضوا هذه التلهية عن العمل الجاد .. التلهية باستنبات البذور في الهواء .. وأن يرفضوا هذه الخدعة الخبيثة!
ومن واجبهم أن يتحركوا وفق منهج هذا الدين في الحركة. فهذا من أسرار قوته. وهذا هو مصدر قوتهم كذلك.
إن (المنهج) في الإسلام يساوي (الحقيقة). ولا انفصام بينهما. وكل منهج غريب لا يمكن أن يحقق الإسلام في النهاية. والمناهج الغريبة يمكن أن تحقق أنظمتها البشرية. ولكنها لا يمكن أن تحقق منهجنا. فالتزام المنهج ضروري كالتزام العقيدة وكالتزام النظام في كل حركة إسلامية..
{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }..
معالم فى الطريق - سيد قطب رحمه الله
شَريعَةٌ كــونية
إن الإسلام حين يقيم بناءه الإعتقادي في الضمير والواقع على أساس العبودية الكاملة لله وحده ، ويجعل هذه العبودية متمثلة في الاعتقاد والعبادة والشريعة على السواء ، باعتبار أن هذه العبودية الكاملة لله وحده - في صورتها هذه - هي المدلول العملي لشهادة أن لا إله إلا الله . . وأن التلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده هو المدلول العملي كذلك لشهادة أن محمداً رسول الله . . .
إن الإسلام حين يقيم بناءه كله على هذا الأساس ، بحيث تمثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله منهج الحياة في الإسلام ، وتصور ملامح هذا المنهج ، وتقرر خصائصه . . إن الإسلام حين يقيم بناءه على هذا النحو الفريد الذي يفرقه عن جميع الأنظمة الأُخرى التي عرفتها البشرية . . إنما يرجع إلى أصل أشمل في تقريره عن الوجود كله ، لا عن الوجود الإنساني وحده ، وإلى منهج للوجود كله لا منهج للحياة الإنسانية وحدها .
إن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هذا الوجود كله من خلق الله ، اتجهت إرادة الله إلى كونه فكان ، وأودعه الله - سبحانه - قوانينه التي يتحرك بها ، والتي تتناسق بها حركة أجزائه فيما بينها ، كما تتناسق بها حركته الكلية سواء .
{ إنما قولنا لشيءٍ إذا أردناه أن نقول له : كُن فَيكون } [ النحل : 40 ] .
{وخلق كل شيءٍ فقدره تقديراً } . . [ الفرقان : 2 ] .
إن وراء هذا الوجود الكوني مشيئة تدبره ، وقدراً يحركه ، وناموساً ينسقه . هذا الناموس ينسق بين مفردات هذا الوجود كلها ، وينظم حركاتها جميعاً ، فلا تصطدم ، ولا تختل ، ولا تتعارض ، ولا تتوقف عن الحركة المنتظمة المستمرة - إلى ما شـاء الله - كما إن هذا الوجود خاضع مستسلم للمشيئة التي تدبره ، والقدر الذي يحركه ، والناموس الذي ينسقه ، بحيث لا يخطر له في لحظة واحدة أن يتمرد على المشيئة ، أو أن يتنكر للقدر ، أو أن يخالف الناموس وهو لهذا كله صالح لا يدركه العطب والفساد إلا أن يشاء الله :
{ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . إلا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين } . . [ الأعراف : 54 ] .
والإنسان من هذا الوجود الكوني ، والقوانين التي تحكم فطرته ليست بمعزل عن ذلك الناموس الذي يحكم الوجود كله . . لقد خلقه الله - كما خلق هذا الوجود - وهو في تكوينه المادي من طين هذه الأرض ، وما وهبه الله من خصائص زائدة على مادة الطين جعلت منه إنساناً ، إنما رزقه الله إياه مقدراً تقديراً ، وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الطبيعي الذي سنَّه الله له - رضى أم أبي - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه - فما يلتقيان ولكنهما لا يملكان أن يعطيا جنين وجوده - وهو يُولَد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة . وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه ، ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له . وهو يحس ويتألم ، ويجوع ويعطش ، يأكل ويشرب ، ويمثل الطعام والشراب . . وبالجملة يعيش . . وفق ناموس الله ، عن غير إرادة منه ولا اختيار ، شأنه في هذا شأن هذا الوجود الكوني وكل ما فيه وكل من فيه ، في الخضوع المطلق لمشيئة الله وقدره وناموسه . . .
والله الذي خلق هذا الوجود وخلق الإنسان ، والذي أخضع الإنسان لنواميسه التي أخضع لها الوجود الكوني . . هو - سبحانه - الذي سن للإنسان شريعة لتنظيم حياته الإرادية تنظيماً متناسقاً مع حياته الطبيعية . فالشريعة - على هذا الأساس - إن هي إلا قطاع من الناموس الإلهي العام الذي يحكم فطرة الإنسان ، وفطرة الوجود العام ، وينسقها كلها جملة واحدة .
وما من كلمة من كلمات الله ، ولا أمر ولا نهي ، ولا وعد ولا وعيد ، ولا تشريع ولا توجيه . . . إلا هي شطر من الناموس العام . وصادقة في ذاتها صدق القوانين التي نسميها القوانين الطبيعية - أي القوانين الإلهية الكونية - التي نراها تتحقق في كل لحظة ، بحكم ما في طبيعتها من حق أزلي أودعه الله فيها ، وهي تتحقق بقدر الله .
و الشريعة التي سنّها الله لتنظيم حياة البشر هي - من ثم - شريعة كونية . بمعنى أنها متصلة بناموس الكون العام ، ومتناسقة معه . . ومن ثم فإن الالتزام بها ناشئ من ضرورة تحقيق التناسق بين الحياة والإنسان ، وحركة الكون الذي يعيش فيه . . بل من ضرورة تحقيق التناسق بين القوانين التي تحكم فطرة البشر المضمرة والقوانين التي تحكم حياتهم الظاهرة . وضرورة الالتئام بين الشخصية المضمرة والشخصية الظاهرة للإنسان . .
ولما كان البشر لا يملكون أن يدركوا جميع السنن الكونية ، ولا أن يحيطوا بأطراف الناموس العام - ولا حتى بهذا الذي يحكم فطرتهم ذاتها ويخضعهم له - رضوا أم أبوا - فإنهم - من ثم - لا يملكون أن يشرعوا لحياة البشر نظاماً يتحقق به التناسق المطلق بين حياة الناس وحركة الكون ، ولا حتى التناسق بين فطرتهم المضمرة وحياتهم الظاهرة . إنما يملك هذا خالق الكون وخالق البشر ، ومدبر أمره وأمرهم ، وفق الناموس الواحد الذي أختاره وارتضاه .
وكذلك يصبح العمل بشريعة الله واجباً لتحقيق ذلك التناسق . . وذلك فوق وجوبه لتحقق الإسلام اعتقاداً . فلا وجود للإسلام في حياة فرد أ وحياة جماعة ، إلا بإخلاص العبودية لله وحده ، وبالتلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله وحده ، تحقيقاً لمدلول ركن الإسلام الأول : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله .
وفي تحقيق التناسق المطلق بين حياة البشر وناموس الكون كل الخير للبشر ، كما فيه الصيانة للحياة من الفساد . . إنهم - في هذه الحالة وحدها - يعيشون في سلام من أنفسهم . . فأما السلام مع الكون فينشأ من تطابق حركتهم مع حركة الكون ، وتطابق اتجاههم مع اتجاهه . . وأما السلام مع أنفسهم فينشأ من توافق حركتهم مع دوافع فطرتهم الصحيحة ، فلا تقوم المعركة بين المرء وفطرته ، لأن شريعة الله تنسق بين الحركة الظاهرة والفطرة المضمرة ، في يسر وهدوء . . وينشأ عن هذا التنسيق تنسيق آخر في ارتباط الناس ونشاطهم العام ، لأنهم جميعاً يسلكون حينئذ وفق منهج موحد ، هو طرف من الناموس الكوني العام .
كذلك يتحقق الخير للبشرية عن طريق إهتدائها وتعرفها في يسر إلى أسرار هذا الكون ، والطاقات المكنونة فيه والكنوز المذخورة في أطوائه ـ واستخدام هذا كله وفق شريعة الله ، لتحقيق الخير البشري العام ، بلا تعارض ولا اصطدام .
ومقابل شريعة الله هو أهواء البشر :
{ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن } . . . [ المؤمنون : 71 ] .
ومن ثمّ توحد النظرة الإسلامية بين الحق الذي يقوم عليه هذا الدين ، والحق الذي تقوم عليه السموات والأرض . ويصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، يحاسب الله به ويجازي من يتعدونه . . فهو حق واحد لا يتعدد ، وهو الناموس الكوني العام الذي أراده الله لهذا الوجود في جميع الأحوال ، والذي يخضع له ويؤخذ به كل ما في الوجود من عوالم وأشياء وأحياء .
{ ولقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ، أفلا تعقلون ! وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ، فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون . لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون . قالوا : ياويلنا إنا كنا ظالمين ! فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين . وما خلقتنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين . لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا . . . إن كنا فاعلين . . بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، ولكم الويل مما تصفون . وله من في السموات والأرض ، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون } . . . [ الأنبياء : 10 - 20 ] .
وفطرة الإنسان تدرك هذا الحق في أعماقها . فطبيعة تكوينه وطبيعة هذا الكون كله من حوله توحي إلى فطرته بأن هذا الوجود قائم على الحق ، وأن الحق أصيل فيه ، وأنه ثابت على الناموس ، لا يضطرب ، ولا تتفرق به السبل ، ولا تختلف دورته . ولا يصطدم بعضه ببعض ، ولا يسير وفق المصادفة العابرة والفلتة الشاردة . ولا وفق الهوى المتقلب والرغبة الجامحة ! إنما يمضي في نظامه الدقيق المحكم المقدر تقديراً . . ومن ثم يقع الشقاق - أول ما يقع - بين الإنسان وفطرته عندما يحيد عن الحق الكامن في أعماقها ، تحت تأثير هواه ، وذلك عندما يتخذ شريعة لحياته مستمدة من هذا الهوى لا من شريعة الله ، وعندما لا يستسلم لله استسلام هذا الوجود الكوني الخاضع لمولاه !
ومثل هذا الشقاق يقع بين الأفراد والجماعات والأمم والأجيال ، كما يقم بين البشر والكون من حولهم ، فتنقلب قواه وذخائره وسائل تدمير وأسباب شقاء ، بدلاً من أن تكون وسائل عمران وأسباب سعادة لبني الإنسان .
وإذن فإن الهدف الظاهر من قيام شريعة الله في الأرض ليس مجرد العمل للآخرة . فالدنيا والآخرة معاً مرحلتان متكاملتان ، وشريعة الله هي التي تنسق بين المرحلتين في حياة هذا الإنسان . تنسق الحياة كلها مع الناموس الإلهي العام .
والتناسق مع الناموس لا يؤجْل سعادة الناس إلى الآخرة ، بل يجعلها واقعة ومتحققة في المرحلة الأولى كذلك ، ثم تتم وتبلغ كمالها في الدار الآخرة .
هذا هو أساس التصور الإسلامي للوجود كله ، وللوجود الإنساني في ظل ذلك الوجود العام ، وهو تصور يختلف في طبيعته اختلافاً جوهرياً عن كل تصور آخر عرفته البشرية ، ومن ثم تقوم عليه التزامات لا تقوم على أي تصور آخر في جميع الأنظمة والنظريات . .
إن الالتزام بشريعة الله - في هذا التصور - هو مقتضى الارتباط التام بين حياة البشر وحياة الكون ، وبين الناموس الذي يحكم فطرة البشر ويحكم هذا الكون ، ثم ضرورة المطابقة بين هذا الناموس العام والشريعة التي تنظم حياة بني الإنسان ، وتتحقق بالتزامها عبودية البشر لله وحده ، كما أن عبودية هذا الكون لله وحده لا يدّعيها لنفسه إنسان .
وإلى ضرورة هذا التطابق والتناسق يشير الحوار الذي جرى بين إبراهيم - عليه السلام ، أبي هذه الأمة المسلمة - وبين نمرود المتجبر المدعي بحق السلطان على العباد في الأرض ، والذي لم يستطع - مع ذلك - أن يدعي بحق السلطان على الأفلاك والأجرام في الكون ، وبهت أمام إبراهيم عليه السلام . وهو يقول له : إن الذي يملك السلطان في الكون هو وحده الذي ينبغي أن يكون له السلطان في حياة البشر ، ولم يحر جواباً على هذا البرهان :
{ ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه - أن آتاه الله الملك - إذ قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت . قال : أنا أُحي وأُميت ! قال إبراهيم : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب . . فبهت الذي كفر . والله لا يهدي القوم الظالمين } . . [ البقرة : 258 ] .
وصدق الله العظيم :
{ أفغير دين الله يبغون ، وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وطرهاً وإليه يرجعون ؟! } . . [ آل عمران : 83 ] .
إن الإسلام حين يقيم بناءه الإعتقادي في الضمير والواقع على أساس العبودية الكاملة لله وحده ، ويجعل هذه العبودية متمثلة في الاعتقاد والعبادة والشريعة على السواء ، باعتبار أن هذه العبودية الكاملة لله وحده - في صورتها هذه - هي المدلول العملي لشهادة أن لا إله إلا الله . . وأن التلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده هو المدلول العملي كذلك لشهادة أن محمداً رسول الله . . .
إن الإسلام حين يقيم بناءه كله على هذا الأساس ، بحيث تمثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله منهج الحياة في الإسلام ، وتصور ملامح هذا المنهج ، وتقرر خصائصه . . إن الإسلام حين يقيم بناءه على هذا النحو الفريد الذي يفرقه عن جميع الأنظمة الأُخرى التي عرفتها البشرية . . إنما يرجع إلى أصل أشمل في تقريره عن الوجود كله ، لا عن الوجود الإنساني وحده ، وإلى منهج للوجود كله لا منهج للحياة الإنسانية وحدها .
إن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هذا الوجود كله من خلق الله ، اتجهت إرادة الله إلى كونه فكان ، وأودعه الله - سبحانه - قوانينه التي يتحرك بها ، والتي تتناسق بها حركة أجزائه فيما بينها ، كما تتناسق بها حركته الكلية سواء .
{ إنما قولنا لشيءٍ إذا أردناه أن نقول له : كُن فَيكون } [ النحل : 40 ] .
{وخلق كل شيءٍ فقدره تقديراً } . . [ الفرقان : 2 ] .
إن وراء هذا الوجود الكوني مشيئة تدبره ، وقدراً يحركه ، وناموساً ينسقه . هذا الناموس ينسق بين مفردات هذا الوجود كلها ، وينظم حركاتها جميعاً ، فلا تصطدم ، ولا تختل ، ولا تتعارض ، ولا تتوقف عن الحركة المنتظمة المستمرة - إلى ما شـاء الله - كما إن هذا الوجود خاضع مستسلم للمشيئة التي تدبره ، والقدر الذي يحركه ، والناموس الذي ينسقه ، بحيث لا يخطر له في لحظة واحدة أن يتمرد على المشيئة ، أو أن يتنكر للقدر ، أو أن يخالف الناموس وهو لهذا كله صالح لا يدركه العطب والفساد إلا أن يشاء الله :
{ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . إلا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين } . . [ الأعراف : 54 ] .
والإنسان من هذا الوجود الكوني ، والقوانين التي تحكم فطرته ليست بمعزل عن ذلك الناموس الذي يحكم الوجود كله . . لقد خلقه الله - كما خلق هذا الوجود - وهو في تكوينه المادي من طين هذه الأرض ، وما وهبه الله من خصائص زائدة على مادة الطين جعلت منه إنساناً ، إنما رزقه الله إياه مقدراً تقديراً ، وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الطبيعي الذي سنَّه الله له - رضى أم أبي - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه - فما يلتقيان ولكنهما لا يملكان أن يعطيا جنين وجوده - وهو يُولَد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة . وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه ، ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له . وهو يحس ويتألم ، ويجوع ويعطش ، يأكل ويشرب ، ويمثل الطعام والشراب . . وبالجملة يعيش . . وفق ناموس الله ، عن غير إرادة منه ولا اختيار ، شأنه في هذا شأن هذا الوجود الكوني وكل ما فيه وكل من فيه ، في الخضوع المطلق لمشيئة الله وقدره وناموسه . . .
والله الذي خلق هذا الوجود وخلق الإنسان ، والذي أخضع الإنسان لنواميسه التي أخضع لها الوجود الكوني . . هو - سبحانه - الذي سن للإنسان شريعة لتنظيم حياته الإرادية تنظيماً متناسقاً مع حياته الطبيعية . فالشريعة - على هذا الأساس - إن هي إلا قطاع من الناموس الإلهي العام الذي يحكم فطرة الإنسان ، وفطرة الوجود العام ، وينسقها كلها جملة واحدة .
وما من كلمة من كلمات الله ، ولا أمر ولا نهي ، ولا وعد ولا وعيد ، ولا تشريع ولا توجيه . . . إلا هي شطر من الناموس العام . وصادقة في ذاتها صدق القوانين التي نسميها القوانين الطبيعية - أي القوانين الإلهية الكونية - التي نراها تتحقق في كل لحظة ، بحكم ما في طبيعتها من حق أزلي أودعه الله فيها ، وهي تتحقق بقدر الله .
و الشريعة التي سنّها الله لتنظيم حياة البشر هي - من ثم - شريعة كونية . بمعنى أنها متصلة بناموس الكون العام ، ومتناسقة معه . . ومن ثم فإن الالتزام بها ناشئ من ضرورة تحقيق التناسق بين الحياة والإنسان ، وحركة الكون الذي يعيش فيه . . بل من ضرورة تحقيق التناسق بين القوانين التي تحكم فطرة البشر المضمرة والقوانين التي تحكم حياتهم الظاهرة . وضرورة الالتئام بين الشخصية المضمرة والشخصية الظاهرة للإنسان . .
ولما كان البشر لا يملكون أن يدركوا جميع السنن الكونية ، ولا أن يحيطوا بأطراف الناموس العام - ولا حتى بهذا الذي يحكم فطرتهم ذاتها ويخضعهم له - رضوا أم أبوا - فإنهم - من ثم - لا يملكون أن يشرعوا لحياة البشر نظاماً يتحقق به التناسق المطلق بين حياة الناس وحركة الكون ، ولا حتى التناسق بين فطرتهم المضمرة وحياتهم الظاهرة . إنما يملك هذا خالق الكون وخالق البشر ، ومدبر أمره وأمرهم ، وفق الناموس الواحد الذي أختاره وارتضاه .
وكذلك يصبح العمل بشريعة الله واجباً لتحقيق ذلك التناسق . . وذلك فوق وجوبه لتحقق الإسلام اعتقاداً . فلا وجود للإسلام في حياة فرد أ وحياة جماعة ، إلا بإخلاص العبودية لله وحده ، وبالتلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله وحده ، تحقيقاً لمدلول ركن الإسلام الأول : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله .
وفي تحقيق التناسق المطلق بين حياة البشر وناموس الكون كل الخير للبشر ، كما فيه الصيانة للحياة من الفساد . . إنهم - في هذه الحالة وحدها - يعيشون في سلام من أنفسهم . . فأما السلام مع الكون فينشأ من تطابق حركتهم مع حركة الكون ، وتطابق اتجاههم مع اتجاهه . . وأما السلام مع أنفسهم فينشأ من توافق حركتهم مع دوافع فطرتهم الصحيحة ، فلا تقوم المعركة بين المرء وفطرته ، لأن شريعة الله تنسق بين الحركة الظاهرة والفطرة المضمرة ، في يسر وهدوء . . وينشأ عن هذا التنسيق تنسيق آخر في ارتباط الناس ونشاطهم العام ، لأنهم جميعاً يسلكون حينئذ وفق منهج موحد ، هو طرف من الناموس الكوني العام .
كذلك يتحقق الخير للبشرية عن طريق إهتدائها وتعرفها في يسر إلى أسرار هذا الكون ، والطاقات المكنونة فيه والكنوز المذخورة في أطوائه ـ واستخدام هذا كله وفق شريعة الله ، لتحقيق الخير البشري العام ، بلا تعارض ولا اصطدام .
ومقابل شريعة الله هو أهواء البشر :
{ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن } . . . [ المؤمنون : 71 ] .
ومن ثمّ توحد النظرة الإسلامية بين الحق الذي يقوم عليه هذا الدين ، والحق الذي تقوم عليه السموات والأرض . ويصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، يحاسب الله به ويجازي من يتعدونه . . فهو حق واحد لا يتعدد ، وهو الناموس الكوني العام الذي أراده الله لهذا الوجود في جميع الأحوال ، والذي يخضع له ويؤخذ به كل ما في الوجود من عوالم وأشياء وأحياء .
{ ولقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ، أفلا تعقلون ! وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ، فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون . لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون . قالوا : ياويلنا إنا كنا ظالمين ! فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين . وما خلقتنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين . لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا . . . إن كنا فاعلين . . بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، ولكم الويل مما تصفون . وله من في السموات والأرض ، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون } . . . [ الأنبياء : 10 - 20 ] .
وفطرة الإنسان تدرك هذا الحق في أعماقها . فطبيعة تكوينه وطبيعة هذا الكون كله من حوله توحي إلى فطرته بأن هذا الوجود قائم على الحق ، وأن الحق أصيل فيه ، وأنه ثابت على الناموس ، لا يضطرب ، ولا تتفرق به السبل ، ولا تختلف دورته . ولا يصطدم بعضه ببعض ، ولا يسير وفق المصادفة العابرة والفلتة الشاردة . ولا وفق الهوى المتقلب والرغبة الجامحة ! إنما يمضي في نظامه الدقيق المحكم المقدر تقديراً . . ومن ثم يقع الشقاق - أول ما يقع - بين الإنسان وفطرته عندما يحيد عن الحق الكامن في أعماقها ، تحت تأثير هواه ، وذلك عندما يتخذ شريعة لحياته مستمدة من هذا الهوى لا من شريعة الله ، وعندما لا يستسلم لله استسلام هذا الوجود الكوني الخاضع لمولاه !
ومثل هذا الشقاق يقع بين الأفراد والجماعات والأمم والأجيال ، كما يقم بين البشر والكون من حولهم ، فتنقلب قواه وذخائره وسائل تدمير وأسباب شقاء ، بدلاً من أن تكون وسائل عمران وأسباب سعادة لبني الإنسان .
وإذن فإن الهدف الظاهر من قيام شريعة الله في الأرض ليس مجرد العمل للآخرة . فالدنيا والآخرة معاً مرحلتان متكاملتان ، وشريعة الله هي التي تنسق بين المرحلتين في حياة هذا الإنسان . تنسق الحياة كلها مع الناموس الإلهي العام .
والتناسق مع الناموس لا يؤجْل سعادة الناس إلى الآخرة ، بل يجعلها واقعة ومتحققة في المرحلة الأولى كذلك ، ثم تتم وتبلغ كمالها في الدار الآخرة .
هذا هو أساس التصور الإسلامي للوجود كله ، وللوجود الإنساني في ظل ذلك الوجود العام ، وهو تصور يختلف في طبيعته اختلافاً جوهرياً عن كل تصور آخر عرفته البشرية ، ومن ثم تقوم عليه التزامات لا تقوم على أي تصور آخر في جميع الأنظمة والنظريات . .
إن الالتزام بشريعة الله - في هذا التصور - هو مقتضى الارتباط التام بين حياة البشر وحياة الكون ، وبين الناموس الذي يحكم فطرة البشر ويحكم هذا الكون ، ثم ضرورة المطابقة بين هذا الناموس العام والشريعة التي تنظم حياة بني الإنسان ، وتتحقق بالتزامها عبودية البشر لله وحده ، كما أن عبودية هذا الكون لله وحده لا يدّعيها لنفسه إنسان .
وإلى ضرورة هذا التطابق والتناسق يشير الحوار الذي جرى بين إبراهيم - عليه السلام ، أبي هذه الأمة المسلمة - وبين نمرود المتجبر المدعي بحق السلطان على العباد في الأرض ، والذي لم يستطع - مع ذلك - أن يدعي بحق السلطان على الأفلاك والأجرام في الكون ، وبهت أمام إبراهيم عليه السلام . وهو يقول له : إن الذي يملك السلطان في الكون هو وحده الذي ينبغي أن يكون له السلطان في حياة البشر ، ولم يحر جواباً على هذا البرهان :
{ ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه - أن آتاه الله الملك - إذ قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت . قال : أنا أُحي وأُميت ! قال إبراهيم : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب . . فبهت الذي كفر . والله لا يهدي القوم الظالمين } . . [ البقرة : 258 ] .
وصدق الله العظيم :
{ أفغير دين الله يبغون ، وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وطرهاً وإليه يرجعون ؟! } . . [ آل عمران : 83 ] .
هذا هو الطريق - سيد قطب رحمه الله
هذا هو الطريق
{ والسماء ذات البروج * واليوم المشهود * وشاهد ومشهود * قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد * الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شئ شهيد * إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير * إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال لما يريد . . . }
إن قصة أصحاب الأخدود - كما وردت في سورة البروج - حقيقة بأن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل . فالقرآن بإيرادها في هذا الأسلوب مع مقدمتها والتعقيبات عليها ، والتقريرات والتوجيهات المصاحبة لها . . كان يخط بها خطوطاً عميقة في تصور طبيعة الدعوة إلى الله ، ودور البشر فيها ، واحتمالاتها المتوقعة في مجالها الواسع - وهو أوسع رقعة من الأرض ، وأبعد مدى من الحياة - وكان يرسم للمؤمنين معالم الطريق ، ويعدُّ نفوسهم لتلقي أي من هذه الاحتمالات التي يجري بها القدر المرسوم ، وفق الحكمة المكنونة في غيب الله المستور .
إنها قصة فئة آمنت بربها ، واستعلنت حقيقة إيمانها . ثم تعرضت للفتنة من أعداء جبارين بطاشين مستهترين بحق الإنسان في حرية الاعتقاد بالحق والإيمان بالله العزيز الحميد ، وبكرامة الإنسان عند الله عن أن يكون لعبة يتسلى بها الطغاة بآلام تعذيبها ، ويتلهون بمنظرها في أثناء التعذيب بالحريق .
وقد ارتفع الإيمان بهذه القلوب على الفتنة ، وانتصرت فيها العقيدة على الحياة ، فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة ، ولم تفتن عن دينها ، وهي تحرق بالنار حتى تموت .
لقد تحررت هذه القلوب من عبوديتها للحياة ، فلم يستذلها حب البقاء وهي تعاين الموت بهذه الطريقة البشعة ، وانطلقت من قيود الأرض وجواذبها جميعاً ، وارتفعت على ذواتها بانتصار العقيدة على الحياة فيها .
وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخّيرة الرفيقة الكريمة هناك جبلات جاحدة شريرة مجرمة لئيمة ، وجلس أصحاب هذه الجبلات على النار ، يشهدون كيف يتعذب المؤمنون ويتألمون ، جلسوا يتلهون بمنظر الحياة تأكلها النار ، والأناسي الكرام يتحولون وقوداً وتراباً . وكلما ألقي فتى أو فتاة ، صبية أو عجوز ، طفل أو شيخ ، من المؤمنين الخيرين الكرام في النار ، ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوس الطغاة ، وعربد السعار المجنون بالدماء والأشلاء !
هذا هو الحادث البشع الذي انتكست فيه جبلات الطغاة وارتكست في هذه الحمأة ، فراحت تلتذ مشهد التعذيب المروع العنيف ، بهذه الخساسة التي لم يرتكس فيها وحش قط ، فالوحش يفترس ليقتات ، لا ليلتذ آلام الفريسة في لؤم وخسة !
وهو ذاته الحادث الذي ارتفعت فيه أرواح المؤمنين وتحررت وانطلقت إلى ذلك الأوج السامي الرفيع ، الذي تشرف به البشرية في جميع الأجيال والعصور .
في حساب الأرض يبدو أن الطغيان قد انتصر على الإيمان ، وإن هذا الإيمان الذي بلغ الذروة العالية ، في نفوس الفئة الخيرة الكريمة الثابتة المستعلية . . لم يكن له وزن ولا حساب في المعركة التي دارت بين الإيمان والطغيان !
ولا تذكر الروايات التي وردت في هذا الحادث ، كما لا تذكر النصوص القرآنية ، أن الله قد أخذ أولئك الطغاة في الأرض بجريمتهم البشعة ، كما أخذ قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط أو كما أخذ فرعون وجنوده أخذ عزيز مقتدر .
ففي حساب الأرض تبدوا هذه الخاتمة اسيفة أليمة !
أفهكذا ينتهي الأمر ، وتذهب الفئة المؤمنة التي ارتفعت إلى ذروة الإيمان ؟ تذهب مع آلامها الفاجعة في الأخدود ؟ بينما تذهب الفئة الباغية ، التي ارتكست إلى هذه الحمأة ، ناجية ؟
حساب الأرض يحيك في الصدر شئ أمام هذه الخاتمة الأسيفة !
ولكن القرآن يعلَّم المؤمنين شيئاً آخر ، ويكشف لهم عن حقيقة أخرى ، ويبصرهم بطبيعة القيم التي يزنون بها ، وبمجال المعركة التي يخوضونها .
إن الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام ، ومن متاع وحرمان . . ليست هي الغاية القيمة الكبرى في الميزان . . وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة ، والنصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة ، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة .
إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة ، وإن السلعة الرائجة في سوق الله سلعة الإيمان ، وإن النصر في أرفع صورة هو انتصار الروح على المادة ، وانتصار العقيدة على الألم ، وانتصار الإيمان على الفتنة . . وفي هذا الحادث انتصرت أرواح المؤمنين على الخوف والألم ، وانتصرت على جواذب الأرض والحياة ، وانتصرت على الفتنة انتصاراً يشرف الجنس البشري كله في جميع الأعصار . . وهذا هو الانتصار ..
إن الناس جميعاً يموتون ، وتختلف الأسباب ، ولكن الناس جميعاً لا ينتصرون هذا الانتصار ، ولا يرتفعون هذا الارتفاع ، ولا يتحررون هذا التحرر ، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق . . إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت ، وتنفرد دون الناس في المجد ، المجد في الملأ الأعلى ، وفي دنيا الناس أيضاً . إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال !
لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم ، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم ؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر ؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير ، معنى زهادة الحياة بلا عقيدة ، وبشاعتها بلا حرية ، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد ؟
إنه معنى كريم جداً ، ومعنى كبير جداً ، هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض ، ربحوه هم يجدون مس النار ، فتحرق أجسادهم الفانية ، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار !
ثم إن مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها ، وليس الحياة الدنيا وحدها ، وشهود المعركة ليسوا هم الناس في جيل من الأجيال . إن الملأ الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها ، ويزنها بميزان غير ميزان الأرض في جيل من أجيالها ، وغير ميزان الأرض في أجيالها جميعاً . والملأ الأعلى يضم من الأرواح الكريمة أضعاف أضعاف ما تضم الأرض من الناس . . وما من شك أن ثناء الملأ الأعلى وتكريمه أكبر وأرجح في أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم على الإطلاق !
وبعد ذلك كله هناك الآخرة ، وهي المجال الأصيل الذي يلحق به مجال الأرض ، ولا ينفصل عنه ، لا في الحقيقة الواقعة ، ولا في حس المؤمن بهذه الحقيقة .
فالمعركة إذن لم تنته ، وخاتمتها الحقيقية لم تجيء بعد ، والحكم عليها بالجزء الذي عرض منها على الأرض حكم غير صحيح ، لأنه حكم على الشطر الصغير منها والشطر الزهيد .
النظرة الأولى : هي النظرة القصيرة الضيقة المجال التي تعنّ للإنسان العجول . والنظرة الثانية : الشاملة البعيدة المدى هي التي يروض القرآن المؤمنين عليها ، لأنها تمثل الحقيقة التي يقوم عليها التصور الإيماني الصحيح .
ومن ثم وعد الله للمؤمنين جزاء على الإيمان والطاعة ، والصبر على الابتلاء ، والانتصار على فتن الحياة . . هو طمأنينة القلب :
{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله * ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ... [ الرعد : 28 ] .
وهو الرضوان والود من الرحمن :
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } [ مريم : 96 ] .
وهو الذكر في الملأ الأعلى :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته : قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم . فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون : نعم . فيقول : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك واسترجع . فيقول : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بين الحمد . . . [ أخرجه الترمذي ] .
وقال صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرني ، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه . فإن اقترب إلى شبراً اقتربت إليه ذراعاً ، وإن اقترب إليّ ذرعاً اقتربت منه باعاً ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة . [ أخرجه الشيخان ] .
وهو اشتغال الملأ الأعلى بأمر المؤمنين في الأرض :
{ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم . . . } [ غافر : 7 ] .
وهو الحياة عند الله للشهداء :
{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وان الله لا يضيع أجر المؤمنين . . . } [ آل عمران : 169 - 171 ] .
كما كان وعده المتكرر بأخذ المكذبين والطغاة والمجرمين في الآخرة والإملاء لهم في الأرض والإمهال إلى حين . . وان كان أحياناً قد أخذ بعضهم في الدنيا . . ولكن التركيز كله على الآخرة في الجزء الأخير :
{ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد . . . } [ آل عمران : 169 - 197 ] .
{ ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص في الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء . . } [ إبراهيم : 42 - 43 ] .
{ فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون * يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون . . } [ المعارج : 42 - 43 ] .
وهكذا اتصلت حياة الناس بحياة الملأ الأعلى ، واتصلت الدنيا بالآخرة ، ولم تعد الأرض وحدها هي مجال المعركة بين الخير والشر ، والحق والباطل ، والإيمان والطغيان . ولم تعد الحياة الدنيا هي خاتمة المطاف ، ولا موعد الفصل في هذا الصراع . . كما أن الحياة الدنيا وكل ما يتعلق بها من لذائد وآلام ومتاع وحرمان ، لم تعد هي القيمة العليا في الميزان .
انفسح المجال في المكان ، وانفسح المجال في الزمان ، وانفسح المجال في القيم والموازين ، واتسعت آفاق النفس المؤمنة ، وكبرت اهتماماتها ، فصغرت الأرض وما عليها ، والحياة الدنيا وما يتعلق بها ، وكبر المؤمن بمقدار ما رأى وما عرف من الآفاق والحيوات ، وكانت قصة أصحاب الأخدود في القمة في إنشاء هذا التصور الإيماني الواسع الشامل الكبير الكريم .
هناك إشعاع آخر تطلقه قصة أصحاب الأخدود وسورة البروج حول طبيعة الدعوة إلى الله ، وموقف الداعية أمام كل احتمال .
لقد شهد تاريخ الدعوة إلى الله نماذج منوعة من نهايات في الأرض مختلفة للدعوات . .
شهد مصارع قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم شعيب ، وقوم لوط ، ونجاة الفئة القلية العدد ، مجرد النجاة . ولم يذكر القرآن للناجين دوراً بعد ذلك في الأرض والحياة . وهذه النماذج تقرر أن الله سبحانه وتعالى يريد أحياناً أن يعجَّل للمكذبين الطغاة بقسط من العذاب في الدنيا ، أما الجزاء الأوفى فهو مرصود لهم هناك .
وشهد تاريخ الدعوة مصرع فرعون وجنوده ، ونجاة موسى وقومه ، مع التمكين للقوم في الأرض فترة كانوا فيها أصلح ما كانوا في تاريخهم ، وإن لم يرتقوا قط إلى الاستقامة الكاملة ، وإلى إقامة دين الله في الأرض منهجاً للحياة شاملاً . . وهذا نموذج غير النماذج الأولى .
وشهد تاريخ الدعوة كذلك مصرع المشركين الذين استعصوا على الهدى والإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وانتصار المؤمنين انتصاراً كاملاً . مع انتصار العقيدة في نفوسهم انتصاراً عجيباً . وتم للمرة الوحيدة في تاريخ البشرية أن أقيم منهج الله مهيمناً على الحياة في صورة لم تعرفها البشرية قط ، من قبل ولا من بعد .
وشهد - كما رأينا - نموذج أصحاب الأخدود . .
وشهد نماذج أخرى أقل ظهوراً في سجل التاريخ الإيماني في القديم والحديث . وما يزال يشهد نماذج تتراوح بين هذه النهايات التي حفظها على مدار القرون .
ولم يكن بدّ من النموذج الذي يمثله حادث الأخدود ، إلى جانب النماذج الأخرى ، القريب منها والبعيد . .
لم يكن بد من هذا النموذج الذي لا ينجو فيه المؤمنون ، ولا يؤخذ الكافرون ! ذلك ليستقر في حس المؤمن - أصحاب دعوة الله - أنهم قد يدعون إلى النهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله ، وأن ليس لهم من الأمر شيء ، إنما أمرهم وأمر العقيدة إلى الله !
إن عليهم أن يؤدوا واجبهم ، ثم يذهبوا ، وواجبهم أن يختاروا الله ، وأن يؤثروا العقيدة على الحياة ، وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة وأن يصدقوا الله في العمل والنية . ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم ، كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء . وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان ، أو إلى غيرها مما يعلمه هو ويراه .
إنهم أجراء عند الله ، أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا عملوا وقبضوا الأجر المعلوم ! وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير ، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير !
وهم يقبضون الدفعة الأولى طمأنينة في القلب ، ورفعة في الشعور ، وجمالاً في التصور ، وانطلاقاً من الأوهاق والجواذب ، وتحرراً من الخوف والقلق ، في كل حال من الأحوال .
وهم يقبضون الدفعة الثانية في الملأ الأعلى وذكراً وكرامة ، وهم بعد في هذه الأرض الصغيرة .
ثم هم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة حساباً يسيراً ونعيماً كبيراً .
ومع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعاً ، رضوان الله ، وانهم مختارون ليكونوا أداة لقدره وستاراً لقدرته ، يفعل بهم في الأرض ما يشاء .
وهكذا انتهت التربية القرآنية بالفئة المختارة من المسلمين في الصدر الأول إلى هذا التطور ، الذي أطلقهم من أمر ذواتهم وشخوصهم . فاخرجوا أنفسهم من الأمر البتة ، وعملوا أجراء عند صاحب الأمر ورضوا خيرة الله على أي وضع وعلى أي حال .
وكانت التربية النبوية تتمشى مع التوجيهات القرآنية ، وتوجه القلوب والأنظار إلى الجنة ، وإلى الصبر على الدور المختار حتى يأذن الله بما يشاء في الدنيا والآخرة سواء .
كان - صلى الله عليه وسلم - يرى عماراً وأمه وأباه - رضي الله عنهم - يعذبون العذاب الشديد في مكة ، فما يزيد على أن يقول : صيراً آل ياسر ، موعدكم الجنة . .
وعن خباب بن الارتّ - رضي الله عنه - قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد برده في ظل الكعبة ، فقلنا : ألا تستنصر لما ؟ أو تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، ما يبعده ذلك عن دينه ، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ، فلا يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون . . [ أخرجه البخاري ] .
إن لله حكمة وراء كل وضع ووراء كل حال ، ومدبر هذا الكون كله ، المطلع على أوله وآخره ، المنسق لأحداثه وروابطه ، هو الذي يعرف الحكمة المكونة في غيبه المستور ، الحكمة التي تتفق مع مشيئته في خط السير الطويل .
وفي بعض الأحيان يكشف لنا - بعد أجيال وقرون - عن حكمة حادث لم يكن معاصروه يدركون حكمته ، ولعلهم كانوا يسألون لماذا ؟ لماذا يا رب يقع هذا ؟ وهذا السؤال نفسه هو الجهل الذي يتوقاه المؤمن ، لأنه يعرف ابتداء أن هناك حكمة وراء كل قدر ، ولأن سعة المجال في تصوره ، وبعد المدى في الزمان والمكان والقيم والموازين تغنيه عن التفكير ابتداء في مثل هذا السؤال ، فيسير مع دورة القدر في استسلام واطمئنان . .
لقد كان القرآن ينشئ قلوباً يعدها لحمل الأمانة ، وهذه القلوب كان يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد بحيث لا تتطلع - وهي تبذل كل شيء ، وتحتمل كل شيء - إلى شيء في هذه الأرض ، ولا تنظر إلا إلى الآخرة ، ولا ترجو إلا رضوان الله ، قلوباً مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها نصب وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية حتى الموت . بلا جزاء في هذه الأرض قريب ، ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة ، وغلبة الإسلام وظهور المسلمين ، بل لو كانوا هذا الجزاء هو هلاك الظالمين بأخذهم أخذ عزيز مقتدر كما فعل بالمكذبين الأولين !
حتى إذا وجدت هذه القلوب ، التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض إلا أن تعطى بلا مقابل - أي مقابل - وأن تنتظر الآخرة وحدها موعداً للفصل بين الحق والباطل . حتى إذا وجدت هذه القلوب ، وعلم الله منها صدق نيّتها على ما بايعت وعاهدت ، آتاها النصر في الأرض ، وائتمنها عليه ، لا لنفسها ، ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي أهل لأداء الأمانة منذ كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه ، ولم تتطلع إلى شئ من الغنم في الأرض تعطاه ، وقد تجردت لله حقاً يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه .
وكل الآيات التي ذكر فيها النصر ، وذكر فيها المغانم ، وذكر فيها أخذ المشركين في الأرض بأيدي المؤمنين نزلت في المدينة . . بعد ذلك . . وبعد أن أصبحت هذه الأمور خارج برنامج المؤمن وانتظاره وتطلعه . وجاء النصر ذاته لأن مشيئة الله اقتضت أن تكون لهذا المنهج واقعية في الحياة الإنسانية ، تقرره في صورة عملية محددة تراها الأجيال . . فلم يكن جزاء التعب والنصب والتضحية والآلام ، إنما كان قدراً من قدر الله تكمن وراءه حكمة نحاول رؤيتها الآن !
وهذه اللفتة جديرة بأن يتدبرها الدعاة إلى الله ، في كل أرض وفي كل جيل ، فهي كفيلة بأن تريهم معالم الطريق واضحة بلا غبش ، وأن تثبت خطى الذين يريدون أن يقطعوا الطريق إلى نهايته ، كيفما كانت هذه النهاية . ثم يكون قدر الله بدعوته وبهم ما يكون ، فلا يلتفتون في أثناء الطريق الدامي المفروش بالجماجم والأشلاء ، وبالعرق والدماء ، إلى نصر أو غلبة ، أو فصل بين الحق والباطل في هذه الأرض . . ولكن إذا كان الله يريد أن يصنع بهم شيئاً من هذا لدعوته ولدينه فسيتم ما يريده الله . . لا جزاء على الآلام والتضحيات . . لا ، فالأرض ليست دار جزاء . . وإنما تحقيقاً لقدر الله في أمر دعوته ومنهجه على أيدي ناس من عباده يختارهم ليمضي بهم من الأمر ما يشاء ، وحسبهم هذا الاختيار الكريم ، الذي تهون إلى جانبه وتصغر هذه الحياة ، وكل ما يقع في رحلة الأرض من سراء أو ضراء
هنالك حقيقة أخرى يشير إليها أحد التعقيبات القرآنية على قصة الأخدود في قوله تعالى :
{ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } . .
حقيقة ينبغي أن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل .
إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست شيئاً آخر على الإطلاق . وإن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان ، ولا يسخطون منهم إلا العقيدة . .
إنها ليست معركة سياسية ولا معركة اقتصادية ، ولا معركة عنصرية . . ولو كانت شيئاً من هذا لسهل وقفها ، وسهل حل إشكالها ، ولكنها في صميمها معركة عقيدة - إما كفر وإما إيمان . . إما جاهلية وإما إسلام !
ولقد كان كبار المشركين يعرضون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المال والحكم والمتاع في مقابل شيء واحد ؛ أن يدع معركة العقدية وأن يدهن في هذا الأمر ! ولو أجابهم - حاشاه - إلى شيء مما أراده ما بقيت بينهم وبينه معركة على الإطلاق !
إنها قضية عقيدة ومعركة عقيدة . . وهذا ما يجب أن يستيقنه المؤمنون حيثما واجهوا عدواً لهم . فإنه لا يعاديهم لشيء إلا لهذه العقيدة إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ويخلصوا له وحده الطاعة والخضوع !
وقد يحاول أعداء المؤمنين أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة ، راية اقتصادية أو سياسية أو عنصرية ، كي يموَّهوا على المؤمنين حقيقة المعركة ، ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة . فمن واجب المؤمنين ألا يُخدعوا ، ومن واجبهم أن يدركوا أن هذا تمويه لغرض مبيت ، وأن الذي يغير راية المعركة إنما يريد أن يخدعهم عن سلاح النصر الحقيقي فيها ، النصر في أية صورة من الصور ، سواء جاء في صورة الانطلاق الروحي كما وقع للمؤمنين في حادث الأخدود ، أو في صورة الهيمنة - الناشئة من الانطلاق الروحي - كما حدث للجيل الأول من المسلمين .
ونحن نشهد نموذجاً من تمويه الراية في محاولة الصليبية العالمية اليوم أن تخدعنا عن حقيقة المعركة ، وأن تزور التاريخ ، فتزعم لنا أن الحروب الصليبية كانت ستاراً للاستعمار . . كلا . . إنما كان الاستعمار الذي جاء متأخراً هو الستار للروح الصليبية التي لم تعد قادرة على السفور كما كانت في القرون الوسطى ! والتي تحطمت على صخرة العقيدة بقيادة مسلمين من شتى العناصر ، وفيهم صلاح الدين الكردي ، وتوران شاه المملوكي ، العناصر التي نسيت قوميتها وذكرت عقيدتها فانتصرت تحت راية العقيدة !
{ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } .
وصدق الله العظيم ، وكذب المموهون الخادعون !
|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13]
{ والسماء ذات البروج * واليوم المشهود * وشاهد ومشهود * قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد * الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شئ شهيد * إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير * إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال لما يريد . . . }
إن قصة أصحاب الأخدود - كما وردت في سورة البروج - حقيقة بأن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل . فالقرآن بإيرادها في هذا الأسلوب مع مقدمتها والتعقيبات عليها ، والتقريرات والتوجيهات المصاحبة لها . . كان يخط بها خطوطاً عميقة في تصور طبيعة الدعوة إلى الله ، ودور البشر فيها ، واحتمالاتها المتوقعة في مجالها الواسع - وهو أوسع رقعة من الأرض ، وأبعد مدى من الحياة - وكان يرسم للمؤمنين معالم الطريق ، ويعدُّ نفوسهم لتلقي أي من هذه الاحتمالات التي يجري بها القدر المرسوم ، وفق الحكمة المكنونة في غيب الله المستور .
إنها قصة فئة آمنت بربها ، واستعلنت حقيقة إيمانها . ثم تعرضت للفتنة من أعداء جبارين بطاشين مستهترين بحق الإنسان في حرية الاعتقاد بالحق والإيمان بالله العزيز الحميد ، وبكرامة الإنسان عند الله عن أن يكون لعبة يتسلى بها الطغاة بآلام تعذيبها ، ويتلهون بمنظرها في أثناء التعذيب بالحريق .
وقد ارتفع الإيمان بهذه القلوب على الفتنة ، وانتصرت فيها العقيدة على الحياة ، فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة ، ولم تفتن عن دينها ، وهي تحرق بالنار حتى تموت .
لقد تحررت هذه القلوب من عبوديتها للحياة ، فلم يستذلها حب البقاء وهي تعاين الموت بهذه الطريقة البشعة ، وانطلقت من قيود الأرض وجواذبها جميعاً ، وارتفعت على ذواتها بانتصار العقيدة على الحياة فيها .
وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخّيرة الرفيقة الكريمة هناك جبلات جاحدة شريرة مجرمة لئيمة ، وجلس أصحاب هذه الجبلات على النار ، يشهدون كيف يتعذب المؤمنون ويتألمون ، جلسوا يتلهون بمنظر الحياة تأكلها النار ، والأناسي الكرام يتحولون وقوداً وتراباً . وكلما ألقي فتى أو فتاة ، صبية أو عجوز ، طفل أو شيخ ، من المؤمنين الخيرين الكرام في النار ، ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوس الطغاة ، وعربد السعار المجنون بالدماء والأشلاء !
هذا هو الحادث البشع الذي انتكست فيه جبلات الطغاة وارتكست في هذه الحمأة ، فراحت تلتذ مشهد التعذيب المروع العنيف ، بهذه الخساسة التي لم يرتكس فيها وحش قط ، فالوحش يفترس ليقتات ، لا ليلتذ آلام الفريسة في لؤم وخسة !
وهو ذاته الحادث الذي ارتفعت فيه أرواح المؤمنين وتحررت وانطلقت إلى ذلك الأوج السامي الرفيع ، الذي تشرف به البشرية في جميع الأجيال والعصور .
في حساب الأرض يبدو أن الطغيان قد انتصر على الإيمان ، وإن هذا الإيمان الذي بلغ الذروة العالية ، في نفوس الفئة الخيرة الكريمة الثابتة المستعلية . . لم يكن له وزن ولا حساب في المعركة التي دارت بين الإيمان والطغيان !
ولا تذكر الروايات التي وردت في هذا الحادث ، كما لا تذكر النصوص القرآنية ، أن الله قد أخذ أولئك الطغاة في الأرض بجريمتهم البشعة ، كما أخذ قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط أو كما أخذ فرعون وجنوده أخذ عزيز مقتدر .
ففي حساب الأرض تبدوا هذه الخاتمة اسيفة أليمة !
أفهكذا ينتهي الأمر ، وتذهب الفئة المؤمنة التي ارتفعت إلى ذروة الإيمان ؟ تذهب مع آلامها الفاجعة في الأخدود ؟ بينما تذهب الفئة الباغية ، التي ارتكست إلى هذه الحمأة ، ناجية ؟
حساب الأرض يحيك في الصدر شئ أمام هذه الخاتمة الأسيفة !
ولكن القرآن يعلَّم المؤمنين شيئاً آخر ، ويكشف لهم عن حقيقة أخرى ، ويبصرهم بطبيعة القيم التي يزنون بها ، وبمجال المعركة التي يخوضونها .
إن الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام ، ومن متاع وحرمان . . ليست هي الغاية القيمة الكبرى في الميزان . . وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة ، والنصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة ، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة .
إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة ، وإن السلعة الرائجة في سوق الله سلعة الإيمان ، وإن النصر في أرفع صورة هو انتصار الروح على المادة ، وانتصار العقيدة على الألم ، وانتصار الإيمان على الفتنة . . وفي هذا الحادث انتصرت أرواح المؤمنين على الخوف والألم ، وانتصرت على جواذب الأرض والحياة ، وانتصرت على الفتنة انتصاراً يشرف الجنس البشري كله في جميع الأعصار . . وهذا هو الانتصار ..
إن الناس جميعاً يموتون ، وتختلف الأسباب ، ولكن الناس جميعاً لا ينتصرون هذا الانتصار ، ولا يرتفعون هذا الارتفاع ، ولا يتحررون هذا التحرر ، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق . . إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت ، وتنفرد دون الناس في المجد ، المجد في الملأ الأعلى ، وفي دنيا الناس أيضاً . إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال !
لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم ، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم ؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر ؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير ، معنى زهادة الحياة بلا عقيدة ، وبشاعتها بلا حرية ، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد ؟
إنه معنى كريم جداً ، ومعنى كبير جداً ، هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض ، ربحوه هم يجدون مس النار ، فتحرق أجسادهم الفانية ، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار !
ثم إن مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها ، وليس الحياة الدنيا وحدها ، وشهود المعركة ليسوا هم الناس في جيل من الأجيال . إن الملأ الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها ، ويزنها بميزان غير ميزان الأرض في جيل من أجيالها ، وغير ميزان الأرض في أجيالها جميعاً . والملأ الأعلى يضم من الأرواح الكريمة أضعاف أضعاف ما تضم الأرض من الناس . . وما من شك أن ثناء الملأ الأعلى وتكريمه أكبر وأرجح في أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم على الإطلاق !
وبعد ذلك كله هناك الآخرة ، وهي المجال الأصيل الذي يلحق به مجال الأرض ، ولا ينفصل عنه ، لا في الحقيقة الواقعة ، ولا في حس المؤمن بهذه الحقيقة .
فالمعركة إذن لم تنته ، وخاتمتها الحقيقية لم تجيء بعد ، والحكم عليها بالجزء الذي عرض منها على الأرض حكم غير صحيح ، لأنه حكم على الشطر الصغير منها والشطر الزهيد .
النظرة الأولى : هي النظرة القصيرة الضيقة المجال التي تعنّ للإنسان العجول . والنظرة الثانية : الشاملة البعيدة المدى هي التي يروض القرآن المؤمنين عليها ، لأنها تمثل الحقيقة التي يقوم عليها التصور الإيماني الصحيح .
ومن ثم وعد الله للمؤمنين جزاء على الإيمان والطاعة ، والصبر على الابتلاء ، والانتصار على فتن الحياة . . هو طمأنينة القلب :
{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله * ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ... [ الرعد : 28 ] .
وهو الرضوان والود من الرحمن :
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } [ مريم : 96 ] .
وهو الذكر في الملأ الأعلى :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته : قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم . فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون : نعم . فيقول : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك واسترجع . فيقول : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بين الحمد . . . [ أخرجه الترمذي ] .
وقال صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرني ، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه . فإن اقترب إلى شبراً اقتربت إليه ذراعاً ، وإن اقترب إليّ ذرعاً اقتربت منه باعاً ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة . [ أخرجه الشيخان ] .
وهو اشتغال الملأ الأعلى بأمر المؤمنين في الأرض :
{ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم . . . } [ غافر : 7 ] .
وهو الحياة عند الله للشهداء :
{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وان الله لا يضيع أجر المؤمنين . . . } [ آل عمران : 169 - 171 ] .
كما كان وعده المتكرر بأخذ المكذبين والطغاة والمجرمين في الآخرة والإملاء لهم في الأرض والإمهال إلى حين . . وان كان أحياناً قد أخذ بعضهم في الدنيا . . ولكن التركيز كله على الآخرة في الجزء الأخير :
{ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد . . . } [ آل عمران : 169 - 197 ] .
{ ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص في الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء . . } [ إبراهيم : 42 - 43 ] .
{ فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون * يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون . . } [ المعارج : 42 - 43 ] .
وهكذا اتصلت حياة الناس بحياة الملأ الأعلى ، واتصلت الدنيا بالآخرة ، ولم تعد الأرض وحدها هي مجال المعركة بين الخير والشر ، والحق والباطل ، والإيمان والطغيان . ولم تعد الحياة الدنيا هي خاتمة المطاف ، ولا موعد الفصل في هذا الصراع . . كما أن الحياة الدنيا وكل ما يتعلق بها من لذائد وآلام ومتاع وحرمان ، لم تعد هي القيمة العليا في الميزان .
انفسح المجال في المكان ، وانفسح المجال في الزمان ، وانفسح المجال في القيم والموازين ، واتسعت آفاق النفس المؤمنة ، وكبرت اهتماماتها ، فصغرت الأرض وما عليها ، والحياة الدنيا وما يتعلق بها ، وكبر المؤمن بمقدار ما رأى وما عرف من الآفاق والحيوات ، وكانت قصة أصحاب الأخدود في القمة في إنشاء هذا التصور الإيماني الواسع الشامل الكبير الكريم .
هناك إشعاع آخر تطلقه قصة أصحاب الأخدود وسورة البروج حول طبيعة الدعوة إلى الله ، وموقف الداعية أمام كل احتمال .
لقد شهد تاريخ الدعوة إلى الله نماذج منوعة من نهايات في الأرض مختلفة للدعوات . .
شهد مصارع قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم شعيب ، وقوم لوط ، ونجاة الفئة القلية العدد ، مجرد النجاة . ولم يذكر القرآن للناجين دوراً بعد ذلك في الأرض والحياة . وهذه النماذج تقرر أن الله سبحانه وتعالى يريد أحياناً أن يعجَّل للمكذبين الطغاة بقسط من العذاب في الدنيا ، أما الجزاء الأوفى فهو مرصود لهم هناك .
وشهد تاريخ الدعوة مصرع فرعون وجنوده ، ونجاة موسى وقومه ، مع التمكين للقوم في الأرض فترة كانوا فيها أصلح ما كانوا في تاريخهم ، وإن لم يرتقوا قط إلى الاستقامة الكاملة ، وإلى إقامة دين الله في الأرض منهجاً للحياة شاملاً . . وهذا نموذج غير النماذج الأولى .
وشهد تاريخ الدعوة كذلك مصرع المشركين الذين استعصوا على الهدى والإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وانتصار المؤمنين انتصاراً كاملاً . مع انتصار العقيدة في نفوسهم انتصاراً عجيباً . وتم للمرة الوحيدة في تاريخ البشرية أن أقيم منهج الله مهيمناً على الحياة في صورة لم تعرفها البشرية قط ، من قبل ولا من بعد .
وشهد - كما رأينا - نموذج أصحاب الأخدود . .
وشهد نماذج أخرى أقل ظهوراً في سجل التاريخ الإيماني في القديم والحديث . وما يزال يشهد نماذج تتراوح بين هذه النهايات التي حفظها على مدار القرون .
ولم يكن بدّ من النموذج الذي يمثله حادث الأخدود ، إلى جانب النماذج الأخرى ، القريب منها والبعيد . .
لم يكن بد من هذا النموذج الذي لا ينجو فيه المؤمنون ، ولا يؤخذ الكافرون ! ذلك ليستقر في حس المؤمن - أصحاب دعوة الله - أنهم قد يدعون إلى النهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله ، وأن ليس لهم من الأمر شيء ، إنما أمرهم وأمر العقيدة إلى الله !
إن عليهم أن يؤدوا واجبهم ، ثم يذهبوا ، وواجبهم أن يختاروا الله ، وأن يؤثروا العقيدة على الحياة ، وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة وأن يصدقوا الله في العمل والنية . ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم ، كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء . وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان ، أو إلى غيرها مما يعلمه هو ويراه .
إنهم أجراء عند الله ، أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا عملوا وقبضوا الأجر المعلوم ! وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير ، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير !
وهم يقبضون الدفعة الأولى طمأنينة في القلب ، ورفعة في الشعور ، وجمالاً في التصور ، وانطلاقاً من الأوهاق والجواذب ، وتحرراً من الخوف والقلق ، في كل حال من الأحوال .
وهم يقبضون الدفعة الثانية في الملأ الأعلى وذكراً وكرامة ، وهم بعد في هذه الأرض الصغيرة .
ثم هم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة حساباً يسيراً ونعيماً كبيراً .
ومع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعاً ، رضوان الله ، وانهم مختارون ليكونوا أداة لقدره وستاراً لقدرته ، يفعل بهم في الأرض ما يشاء .
وهكذا انتهت التربية القرآنية بالفئة المختارة من المسلمين في الصدر الأول إلى هذا التطور ، الذي أطلقهم من أمر ذواتهم وشخوصهم . فاخرجوا أنفسهم من الأمر البتة ، وعملوا أجراء عند صاحب الأمر ورضوا خيرة الله على أي وضع وعلى أي حال .
وكانت التربية النبوية تتمشى مع التوجيهات القرآنية ، وتوجه القلوب والأنظار إلى الجنة ، وإلى الصبر على الدور المختار حتى يأذن الله بما يشاء في الدنيا والآخرة سواء .
كان - صلى الله عليه وسلم - يرى عماراً وأمه وأباه - رضي الله عنهم - يعذبون العذاب الشديد في مكة ، فما يزيد على أن يقول : صيراً آل ياسر ، موعدكم الجنة . .
وعن خباب بن الارتّ - رضي الله عنه - قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد برده في ظل الكعبة ، فقلنا : ألا تستنصر لما ؟ أو تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، ما يبعده ذلك عن دينه ، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ، فلا يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون . . [ أخرجه البخاري ] .
إن لله حكمة وراء كل وضع ووراء كل حال ، ومدبر هذا الكون كله ، المطلع على أوله وآخره ، المنسق لأحداثه وروابطه ، هو الذي يعرف الحكمة المكونة في غيبه المستور ، الحكمة التي تتفق مع مشيئته في خط السير الطويل .
وفي بعض الأحيان يكشف لنا - بعد أجيال وقرون - عن حكمة حادث لم يكن معاصروه يدركون حكمته ، ولعلهم كانوا يسألون لماذا ؟ لماذا يا رب يقع هذا ؟ وهذا السؤال نفسه هو الجهل الذي يتوقاه المؤمن ، لأنه يعرف ابتداء أن هناك حكمة وراء كل قدر ، ولأن سعة المجال في تصوره ، وبعد المدى في الزمان والمكان والقيم والموازين تغنيه عن التفكير ابتداء في مثل هذا السؤال ، فيسير مع دورة القدر في استسلام واطمئنان . .
لقد كان القرآن ينشئ قلوباً يعدها لحمل الأمانة ، وهذه القلوب كان يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد بحيث لا تتطلع - وهي تبذل كل شيء ، وتحتمل كل شيء - إلى شيء في هذه الأرض ، ولا تنظر إلا إلى الآخرة ، ولا ترجو إلا رضوان الله ، قلوباً مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها نصب وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية حتى الموت . بلا جزاء في هذه الأرض قريب ، ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة ، وغلبة الإسلام وظهور المسلمين ، بل لو كانوا هذا الجزاء هو هلاك الظالمين بأخذهم أخذ عزيز مقتدر كما فعل بالمكذبين الأولين !
حتى إذا وجدت هذه القلوب ، التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض إلا أن تعطى بلا مقابل - أي مقابل - وأن تنتظر الآخرة وحدها موعداً للفصل بين الحق والباطل . حتى إذا وجدت هذه القلوب ، وعلم الله منها صدق نيّتها على ما بايعت وعاهدت ، آتاها النصر في الأرض ، وائتمنها عليه ، لا لنفسها ، ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي أهل لأداء الأمانة منذ كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه ، ولم تتطلع إلى شئ من الغنم في الأرض تعطاه ، وقد تجردت لله حقاً يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه .
وكل الآيات التي ذكر فيها النصر ، وذكر فيها المغانم ، وذكر فيها أخذ المشركين في الأرض بأيدي المؤمنين نزلت في المدينة . . بعد ذلك . . وبعد أن أصبحت هذه الأمور خارج برنامج المؤمن وانتظاره وتطلعه . وجاء النصر ذاته لأن مشيئة الله اقتضت أن تكون لهذا المنهج واقعية في الحياة الإنسانية ، تقرره في صورة عملية محددة تراها الأجيال . . فلم يكن جزاء التعب والنصب والتضحية والآلام ، إنما كان قدراً من قدر الله تكمن وراءه حكمة نحاول رؤيتها الآن !
وهذه اللفتة جديرة بأن يتدبرها الدعاة إلى الله ، في كل أرض وفي كل جيل ، فهي كفيلة بأن تريهم معالم الطريق واضحة بلا غبش ، وأن تثبت خطى الذين يريدون أن يقطعوا الطريق إلى نهايته ، كيفما كانت هذه النهاية . ثم يكون قدر الله بدعوته وبهم ما يكون ، فلا يلتفتون في أثناء الطريق الدامي المفروش بالجماجم والأشلاء ، وبالعرق والدماء ، إلى نصر أو غلبة ، أو فصل بين الحق والباطل في هذه الأرض . . ولكن إذا كان الله يريد أن يصنع بهم شيئاً من هذا لدعوته ولدينه فسيتم ما يريده الله . . لا جزاء على الآلام والتضحيات . . لا ، فالأرض ليست دار جزاء . . وإنما تحقيقاً لقدر الله في أمر دعوته ومنهجه على أيدي ناس من عباده يختارهم ليمضي بهم من الأمر ما يشاء ، وحسبهم هذا الاختيار الكريم ، الذي تهون إلى جانبه وتصغر هذه الحياة ، وكل ما يقع في رحلة الأرض من سراء أو ضراء
هنالك حقيقة أخرى يشير إليها أحد التعقيبات القرآنية على قصة الأخدود في قوله تعالى :
{ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } . .
حقيقة ينبغي أن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل .
إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست شيئاً آخر على الإطلاق . وإن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان ، ولا يسخطون منهم إلا العقيدة . .
إنها ليست معركة سياسية ولا معركة اقتصادية ، ولا معركة عنصرية . . ولو كانت شيئاً من هذا لسهل وقفها ، وسهل حل إشكالها ، ولكنها في صميمها معركة عقيدة - إما كفر وإما إيمان . . إما جاهلية وإما إسلام !
ولقد كان كبار المشركين يعرضون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المال والحكم والمتاع في مقابل شيء واحد ؛ أن يدع معركة العقدية وأن يدهن في هذا الأمر ! ولو أجابهم - حاشاه - إلى شيء مما أراده ما بقيت بينهم وبينه معركة على الإطلاق !
إنها قضية عقيدة ومعركة عقيدة . . وهذا ما يجب أن يستيقنه المؤمنون حيثما واجهوا عدواً لهم . فإنه لا يعاديهم لشيء إلا لهذه العقيدة إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ويخلصوا له وحده الطاعة والخضوع !
وقد يحاول أعداء المؤمنين أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة ، راية اقتصادية أو سياسية أو عنصرية ، كي يموَّهوا على المؤمنين حقيقة المعركة ، ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة . فمن واجب المؤمنين ألا يُخدعوا ، ومن واجبهم أن يدركوا أن هذا تمويه لغرض مبيت ، وأن الذي يغير راية المعركة إنما يريد أن يخدعهم عن سلاح النصر الحقيقي فيها ، النصر في أية صورة من الصور ، سواء جاء في صورة الانطلاق الروحي كما وقع للمؤمنين في حادث الأخدود ، أو في صورة الهيمنة - الناشئة من الانطلاق الروحي - كما حدث للجيل الأول من المسلمين .
ونحن نشهد نموذجاً من تمويه الراية في محاولة الصليبية العالمية اليوم أن تخدعنا عن حقيقة المعركة ، وأن تزور التاريخ ، فتزعم لنا أن الحروب الصليبية كانت ستاراً للاستعمار . . كلا . . إنما كان الاستعمار الذي جاء متأخراً هو الستار للروح الصليبية التي لم تعد قادرة على السفور كما كانت في القرون الوسطى ! والتي تحطمت على صخرة العقيدة بقيادة مسلمين من شتى العناصر ، وفيهم صلاح الدين الكردي ، وتوران شاه المملوكي ، العناصر التي نسيت قوميتها وذكرت عقيدتها فانتصرت تحت راية العقيدة !
{ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } .
وصدق الله العظيم ، وكذب المموهون الخادعون !
|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13]
الثلاثاء، 15 يونيو 2010
الثلاثاء، 8 يونيو 2010
وثيقة تفكيك أسرائيل
وثيقة تفكيك إسرائيل - إسرائيل كيان غير شرعي
وثيقة تفكيك إسرائيل - إسرائيل كيان غير شرعي
بـسـم الله , ربّ الناس أجمعين
بـاسـم الإنـسـانـيـّـة
نــُـعـلـن فـي الـبـدايــة , نـحـن مجموعة من الشباب , مُـعـدّي هـذه الـوثـيـقـة حـقـيـقـة َ أنـنـا لا نـنـتـمـي لأي تـيــّـار
أو حـزب سـيـاسـي , و لـم نـنـطـلـق فـي رؤيـتـنـا هـذه مـن أيّ مـنـطـلـق إثــنـيّ أو عـرقـيّ أو ديـنـيّ , بــل
نــُـعـلـن انـحـيـازنـا الــتـامّ للإنـسـان و لـحـقــّـه فـي الـعـيـش بـسـلام و كـرامــة , بـغـضّ النظر عن لونه و دينه و عرقه وجنسيته و انتماءاته . ونعلن احترامنا لكلّ هذه المبادئ و العقائد و وقـوفـنـا إلـى جـانـب الـحـقّ
و الـعـدالــة ضـد كـلّ أشـكـال الـظـلـم والـقـمـع و الـقـتـل واغـتـصـاب الـحـقـوق و تـشـويـه الـحـقـائـق . و تـتـلـخـّـص رؤيـتـنـا هـنـا , فـي عـدم إمكانـيـّـة اسـتـمـرار مـا يــُـسـمـّى " بـدولـة إسرائيل "و لـديـنـا حـجـجـنـا الـقـانـونـيـة
و الـسـيـاسـيـة و الإنـسـانـيـة الـتـي نـضـعـهـا هـنـا أمـام الـعـالـم :
ــ أولاً : إسرائيل لـيـسـت دولــة وفـقـاً لـلـتـعـريـف الـعـالـمـي لـلـكـلـمـة
* تـعـريـف الـدولـة : الدولة هي رابطة سياسية مع سيادة فعلية على منطقة جغرافية معينة. وهى سيطرة لمنظومة حكم (ملك أو رئيس) مع حاشيته وأعوانه على الحكم على رقعة من الأرض بما تحتويه من مقيمين وموجودات مادية وقيم معنوية لفترة زمنية قد تطول أو تقصر. وبمراجعة التعريف فإن إسرائيل ليست رابطة سياسية، وإنما رابطة دينية عرقية عنصرية، كما أنها لا تتمتع بالسيادة، حيث تعتمد كليا على الولايات المتحدة الأمريكية، وهي بمثابة مستعمرة أمريكية تتبع للولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا ودوليا، وقد صرحت الإدارات الأمريكية المتتابعة وأكدت على تبعية دولة إسرائيل تبعية كاملة والتزام الولايات المتحدة بأمنها واقتصادها وحماية وجودها. لذلك فمن الأجدر إطلاق لفظ "مستعمرة" على الكيان الإسرائيلي ، وهو مصطلح أشمل وأقرب للواقع.
ثانيا: الكيان الإسرائيلي كيان خارج عن القانون الدولي ويجب ملاحقته
بالرغم من أن إسرائيل هي وليدة الأمم المتحدة، وذلك بعد قيام عصابات صهيونية بقتل الوسيط الدولي للأمم المتحدة الكونت برنادوت الذي وجد في ميلاد إسرائيل ما هو مخالف للقوانين الدولية والإرث الحضاري والإنساني، إلا أن هـذا الكيان قد خالف كل القوانين الدولية وخرج عنها بلا أدنى اكتراث.
1- تأسست إسرائيل على أكتاف عصابات إرهابية كانت مطاردة من قبل دول العالم الأول.
2- منذ نشأتها لم تلتزم إسرائيل بمعظم قرارات مجلس الأمن واعتمدت في خروجها عن القانون الدولي على مساندة الفيتو الأمريكي. وقد خالفت مئات من قرارات مجلس الأمن.
3- تنتهك إسرائيل دوما كافة القوانين الدولية، ذلك بالاستمرار في الاحتلال، والاستهداف المتعمد للمدنيين، والاستهداف المتعمد للصحفيين والأطباء ومنع وصول الإسعافات والمساعدات للمناطق المنكوبة التي تقوم إسرائيل بقصفها في الأراضي المحتلة.
4- إسرائيل ليست من الدول المسموح لها بامتلاك أسلحة دمار شامل ومع ذلك فهي لم توقع على اتفاقية عدم التسلح النووي.
5- تقوم إسرائيل الآن بانتهاك الحقوق المدنية والسياسية لمواطنيها وذلك بحرمان الإسرائيليين من أصول عربية بمزاولة نشاطهم السياسي والمشاركة في الانتخابات وقد اتخذ هذا القرار مؤخرا وفقا لمعايير عنصرية تخالف كل القوانين الدولية، تماما كما كانت دولة جنوب أفريقيا تحرم السكان الأصليين من المشاركة السياسية. و يقوم المسئولين الإسرائيليين بالتصريح علناً بوجوب ( يهوديـّة ) هذا الكيان و خروج كلّ من هو ليس يهوديا خارج حدود هذه الدولة , و كان تصريح وزيرة الخارجية ليفني الأخير واضحاً و صريحاً في هذا الشأن حيث قالت أنه في حال قيام أي دولة فلسطينية فعلى العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية مغادرة إسرائيل فوراً إلى تلك الدولة لتبقى إسرائيل صافية العرق و الدين , و هذا الأمر مخالف لكلّ الأعراف القانونية و السياسية و الإنسانية .و على رأسها ( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) الذي سيتم التطرق له في الفقرة القادمة .
ثالثا: الفكر الصهيوني مخالف للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية:
1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
المواد التي تخالفها إسرائيل:
المادة الأولى:
يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء.
المادة الثانية:
لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلا عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود.
- إن الفكر الصهيوني يفرق بين البشر على أساس العرق والدين، وهو يقوم على فكرة شعب الله المختار الذي يحق له قتل المدنيين واحتلال أراضيهم وانتهاك حقوقهم الإنسانية والسياسية والاقتصادية وتجويعهم وحصارهم كما حدث في غزة، والمصادرة على حقوقهم في المشاركة السياسية بناء على عنصرهم كما يحدث مع الإسرائيليين من أصول عربية.
المادة 3
لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.
- لم تكف إسرائيل عن سلب الآخرين حقوقهم في الحياة والحرية والسلامة الشخصية منذ بداية تأسيسها بداية من مذبحة دير ياسين التي قامت بها العصابات الصهيونية قبل الإعلان عن إنشاء هذا الكيان .. مروراً بمجزرة الدوايمة عام 1948 و مجزرة كفر قاسم عام 1956 وحتى مذبحة غزة الأخير (ديسمبر 2008 – يناير 2009). وقد صرح المسئولون الإسرائيليون أكثر من مرة، وعلنا، بأنهم يستهدفون المدنيين عن عمد لكسر إرادة المقاومة. ولم يسلم من مذابحهم طفلا أو امرأة أو حتى مقرات الأمم المتحدة. وقد قامت إسرائيل بقصف مقار الأمم المتحدة أكثر من مرة في لبنان وفلسطين و ارتكاب مجازر داخل هذه المقار ، واستخدام أسلحة محرمة دوليا، ولم تخضع إسرائيل ولو لمرة واحدة للمحاكمة الدولية، كما أنها رفضت استقبال مندوبي الأمم المتحدة بعد مذبحة جنين.
المادة 5
لا يعرّض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو التي تحط بالكرامة.
- تقوم إسرائيل بممارسة التعذيب المنظم على الأسرى الفلسطينيين، وعلى المواطنين العزل الذين يحتجزون على المعابر الفلسطينية. بل على الأطفال الفلسطينيين الذين يرغبون في الذهاب إلى مدارسهم. و على الناس في شوارع المدن و القرى المحتلة . و تمتهن كراماتهم و تعاملهم معاملة غير آدمية . بربطهم من أيديهم و عصب أعينهم و إيقافهم في طوابير طويلة للتحقيق أو التفتيش , كما قامت لمرات عديدة و أمام أجهزة الإعلام بربط أطفال فلسطينيين على واجهة السيارات العسكرية لمنع أقرانهم الأطفال من رمي الحصى و الحجارة على دوريات الاحتلال التي تنتهك حرمات شوارعهم و منازلهم .
-
المادة 9
لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً...
- قامت إسرائيل منذ بداية تأسيسها بطرد الفلسطينيين من أراضيهم وهدم بيوتهم وهم يعيشون لاجئين حاليا في دول متفرقة، وتنكر عليهم حق العودة.
- تقوم إسرائيل باحتجاز آلاف من الأسرى الفلسطينيين في سجونها ومن بينهم أطفال ونساء.
وتشير التقارير و شهود العيان أن الجيش الإسرائيلي قام خلال الحرب الأخيرة على غزة باعتقال أكثر من ألف مواطن ممن هم أكثر من 16 عاما ووضعتهم في أماكن معرضة للخطر ولفترات متفاوتة ، فيما الأخطر كان استخدامها لهؤلاء المعتقلين كدروع بشرية في كثير من الأحيان ، والأسوأ اعتقالها لجرحى ومصابين دون تقديم الإسعافات الأولية لهم ، بل والتعمد في إبقائهم ينزفون دون السماح لطواقم الإسعاف الفلسطينية بالوصول إليهم ، كما ومارست سياسة الإعدام الميداني بحق بعضهم .
وفى روايات حية من المواطنين المعتقلين العُزَّل أكدوا أن قوات الاحتلال استخدمت هؤلاء المعتقلين كدروع بشرية في أماكن متقدمة من ساحة القتال المباشرة ، حيث وضعتهم في حفر كبيرة أمام الدبابات المتمركزة في بعض المناطق التي احتلتها وعرضه لمرمى النيران المتبادلة ، وفي مشاهد أخرى وضعتهم مباشرة أمام الدبابات ، وفي مقدمة الجنود أثناء اقتحامهم للأبراج والشقق والبنايات السكنية ، فيما تم احتجاز أسر بأكملها في غرفة واحدة تحت نيران بنادق الاحتلال وتحويل البيت الى نقطة مراقبة عسكرية وإطلاق النيران منه مما عرض أسر بأكملها للخطر. وهناك 200 مواطن لازالوا رهن الاعتقال ومنهم من أخضعوا للاستجواب السريع والآني ، وللتعذيب والابتزاز وهناك خشيته على حياتهم ، لاسيما وأن سلطات الاحتلال رفضت التعاون مع منظمة الصليب الأحمر الدولية بهذا الصدد ، أو الاستجابة لمطالب السلطة الوطنية الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية والإنسانية بالكشف عن أعداد وأسماء كافة المعتقلين لديها منذ اليوم الأول للحرب وحتى اللحظة مما قد يكون منحها الفرصة لإعدام بعضهم بشكل متعمد وإلقاء جثامينهم في شوارع غزة التي كانت تحتلها قوات الاحتلال ووجدت ملقاة على قارعة الطريق بعد انسحاب قوات الاحتلال منها .
المادة 13
( 1 ) لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة..
( 2 ) يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.
- تقوم إسرائيل بمصادرة حق الفلسطينيين في التنقل باحتجازهم على المعابر لساعات قد تصل إلى عشرين ساعة أو أكثر.
- تمنع إسرائيل اللاجئين الفلسطينيين من عودتهم إلى أوطانهم.
- تقوم إسرائيل بتحديد إقامة عدد كبير من أهالي فلسطين ومنعهم من السفر دون إبداء أي أسباب قانونية.
المادة 14
( 1 ) لكل فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد.
( 2 ) لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية أو لأعمال تناقض أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.
- تقوم إسرائيل بقصف المدن الفلسطينية وهي على ذلك تمنع سكان المدن من المدنيين من مغادرة هذه المدن بغلق المعابر والحدود كما فعلت في محرقة غزة الأخيرة (2008-2009).
المادة 15
( 1 ) لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.
( 2 ) لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها.
تمنح إسرائيل جنسيتها لكل من يدين بالدين اليهودي في هذا العالم , على أساس دينيّ عنصريّ واضح . بينما تهدد بعض العرب حاملي الجنسية من إسقاطها عنهم لأسباب سياسية كما حصل مع المفكـّر عزمي بشارة لمخالفتهم الفكر الصهيوني . و تـنـكر حق العودة و المواطنة لملايين الفلسطينيين ممن تم تهجيرهم بالقوة عن أراضي فلسطين التاريخية .
كـمـا أن إسرائيل قـامـت و بالقوة بفرض الجنسية الإسرائيلية على أهالي الجولان السوري المحتلّ و ذلك لسلخهم نهائياً عن هويتهم الوطنية الأمّ , و مارست و لا تزال تمارس أبشع أنواع الضغط على كلّ من رفض و يرفض هذه الجنسية من أهالي الجولان و تقوم بالتضييق عليهم في أبسط حريّاتهم الشخصية و العامة .
المادة 17
( 1 ) لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.
( 2 ) لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً.
تقوم إسرائيل بمصادرة الأراضي والأملاك الفلسطينية وطرد الفلسطينيين وإبعادهم لإقامة مستوطنات استعمارية على الأراضي المملوكة للفلسطينيين.
كما أنّ إسرائيل قامت على مدى عشرات السنين و لا زالت حتى هذه اللحظة , بقلع و تدمير عشرات الآلاف من أشجار الزيتون و الحمضيات من بساتين و كروم تعود ملكيتها للفلسطينيين و ذلك بالقوة و الإرهاب . كما قامت و تقوم ببناء جدار فصل عنصري على أراضي مصادرة من الفلسطينيين . حيث قـسـّمت القرى و المزارع إلى كانتونات منفصلة غير قابلة للحياة .
المادة 21
( 1 ) لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً.
( 2 ) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.
( 3 ) إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.
سبق وأن أشرنا إلى أن إسرائيل اتخذت قرار بحرمان الأحزاب الإسرائيلية العربية من المشاركة في الانتخابات ومزاولة حقوقهم الديمقراطية وذلك بناء على العرق. و تقوم إسرائيل برفض و قمع و تقويض كل الخيارات الديمقراطية للشعب الفلسطيني على الأرض الواقعة الآن تحت السلطة الفلسطينية . و تعتقل وزراء و نواب ممثلون للشعب و مختارون ديمقراطياً و تحجز حرياتهم دون محاكمات أو بمحاكمات صورية عسكرية لا يتمتع فيها المعتقل بأبسط حقوقه المدنية لا كفرد و لا كممثل لشعب .
المادة 22
لكل شخص بصفته عضواً في المجتمع الحق في الضمانة الاجتماعية وفي أن تحقق بوساطة المجهود القومي والتعاون الدولي وبما يتفق ونظم كل دولة ومواردها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي لاغني عنها لكرامته وللنمو الحر لشخصيته.
- تقوم إسرائيل بغلق المعابر على الفلسطينيين، ومنع وصول المساعدات الإنسانية لهم كما حدث في غزة.
- تستغل إسرائيل العمالة الفلسطينية أسوأ استغلال، وتسخرهم للعمل بأجور زهيدة، كمان أن العامل الفلسطيني لا ينعم بأية حقوق قانونية داخل دولة الكيان الصهيوني مما يعرضه للفصل أو التنكيل في أية لحظة ولا يحق له التظلم أمام القانون.
المادة 23
( 1 ) لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة.
( 2 ) لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل.
( 3 ) لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية.
( 4 ) لكل شخص الحق في أن ينشئ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته.
المادة 24
لكل شخص الحق في الراحة، وفي أوقات الفراغ، ولاسيما في تحديد معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية بأجر.
المادة 25
( 1 ) لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.
تـقـوم إسرائيل بخرق كلّ هذه المواد من خلال التضييق على العمال الفلسطينيين و حجزهم لساعات طويلة على المعابر و أيضا استغلالها لمعظم هؤلاء العمال سياسيا كمقايضتها لأجورهم و حقوقهم بالطلب منهم مدّ أجهزتها الأمنية بمعلومات استخباراتية عن مسئولين و مواطنين فلسطينيين تمهيداً لقتلهم أو اعتقالهم .
( 2 ) للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين، وينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواء أكانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أو بطريقة غير شرعية.
جعلت إسرائيل من الحالة الإنسانية و المعيشية للفلسطينيين جحيماً لا يطاق . إذ أن الكثير من الأمهات الفلسطينيات الحوامل يـلـدن على المعابر و في العراء و لا يقوم جيش الاحتلال بأي مساعدة أو تسهيلات لعبور الحوامل و المرضى بشكل عام , و يموت المئات سنوياً على المعابر لحرمانهم من الوصول إلى المستشفيات و عدم تقديم أي إسعافات لهم . كما أن الطفل الفلسطيني يولد و يكبر تحت القصف و الحصار و وسط مشاهد الموت و الدمار , و يحرم من أبسط حقوقه كطفل . و تفرض عليه إسرائيل العيش في بيئة حرب دائمة , كما أنها تحرمه من حقه في العلم و الذهاب إلى مدرسة آمنة . حيث قصفت المدارس مرات عديدة و تعدّ نسبة الأطفال القتلى بين الفلسطينيين هي أعلى نسبة شهدتها الحروب في العصر الحديث . ومن بين هؤلاء الأطفال الكثير من الرضـّع و الذين لا تتجاوز أعمارهم أشهراً قليلة , منهم من قتل بالرصاص مباشرة.
تـخـرق إسرائيل معظم إن لم يكن كلّ بـنـود الـعـهـد الـدولـي الـخـاص بالـحـقـوق الـمـدنـيـة و السياسية للشعب الفلسطيني و لـسـكـّان الجولان السوري المحتل .
فهي بـدايـة تـتـجاهـل الـمـادة الأولى مـن الجزء الأول للعهد بشكل كامل :
تقول المادة الأولى :
.1ـ لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها. وهى بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.2. لجميع الشعوب، سعيا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة.3. على الدول الأطراف في هذا العهد، بما فيها الدول التي تقع على عاتقها مسئولية إدارة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم المشمولة بالوصاية، أن تعمل على تحقيق حق تقرير المصير وأن تحترم هذا الحق، وفقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.
و إسرائيل كدولة احتلال تنكر على الشعب الفلسطيني و على أهل الجولان السوري المحتل حق الاستقلال و سيادة أنفسهم و تقرير مصيرهم كما يتوافق مع تطلعاتهم و تـصـادر كل حقوقهم الاقتصادية و المدنية وتمنع خياراتهم السياسية الحرّة بالقوة و القمع , و تسجن مثقفيهم و كتّابهم و شعرائهم و صحفييهم و تفرض على السكان الواقعين تحت سيطرتها مباشرة , ثقافة دولة الاحتلال , و تمنع عليهم دراسة تاريخهم أو تنمية ثقافتهم الخاصة و هذا حقّ مكتسب لكلّ شعوب الأرض تمنعه إسرائيل وتفرض واقعاً لا يتوافق أبداً مع أحلام و خيارات الشعوب.
الجزء الثاني - المادة الثانية
. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.2. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلا إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريا لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية. 3. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد: (أ) بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية،(ب) بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو أن تبت في الحقوق التي يدعى انتهاكها سلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن تنمى إمكانيات التظلم القضائي،(ج) بأن تكفل قيام السلطات المختصة بإنفاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين.
تخرق إسرائيل هذه البنود جميعاً . إذ أنّ كل مواطن عربي يــعُامل كمواطن من الدرجة الثالثة , إذ يحق لليهودي المدني حمل السلاح و فرض إرادته على غيره بالقوة و ممارسة شعائره الدينية بحريّة مهما كانت متطرفة و مؤذية للغير , بينما غير اليهودي يـُساق إلى الجيش بالقوة و يوضع في الخطوط الأمامية للقتال و يتم استغلاله تحت الضغط و الترهيب و الترغيب للتأثير على أبناء جلدته الرافضين للاحتلال و مقاتلتهم و محاولة تجنيدهم لحساب دولة الاحتلال . و يمنع على الفلسطيني ممارسة شعائره الدينية في المساجد و المعابد إلا تحت نظر قوات الاحتلال و بطريقة انتقائية , فإسرائيل تمنع من هم تحت سن الخمسين من الذهاب و الصلاة في المسجد الأقصى تحت حجج واهية . و يضطر الناس للصلاة في الطرقات , تحيط بهم قوات الأمن من كل جانب .
كما أن كلّ فرد فلسطيني أو جولاني تعتقله إسرائيل بأيّ تهمة كانت . يخضع للمحاكمات الصورية و يـُعامل بقسوة من قبل القضاة و يؤخذ بالاعتبار رأيه السياسي من الاحتلال فقط . و يتم تجاهل كل حقوقه القانونية , إلا بإجراءات شكلية لا تقدم و لا تؤخر في سير المحاكمات . و في سجون إسرائيل عشرات آلاف الأسرى التي تم اعتقالهم و محاكمتهم بسبب أرائهم السياسية أو سعيهم
لتقرير مصيرهم و معظمهم تم الحكم عليه بأحكام طويلة جدا و بينهم الكثير من الأطفال و النساء . كما تتعمد إسرائيل
إلى إبقاء الكثير منهم في السجون لسنوات طويلة دون قبل أن تبدأ محاكماتهم الشكلية .
المادة 4
. في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.2. لا يجيز هذا النص أي مخالفة لأحكام المواد 6 و 7 و 8 (الفقرتين 1 و 2) و 11 و 15 و 16 و 18.3. على أية دولة طرف في هذا العهد استخدمت حق عدم التقيد أن تعلم الدول الأطراف الأخرى فورا، عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، بالأحكام التي لم تتقيد بها وبالأسباب التي دفعتها إلى ذلك. وعليها، في التاريخ الذي تنهى فيه عدم التقيد، أن تعلمها بذلك مرة أخرى وبالطريق ذاته .
إسرائيل كدولة احتلال تعطي لنفسها الحق بخرق كل هذه المواد كما أسلفنا سابقا و تحت حجّة الأمن , بينما تمنع الأمن و الأمان على كلّ السكان الواقعين تحت سيطرتها من غير اليهود . كما أنها لا تنفذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن , و الفيتو الأمريكي يساعدها على خرق هذه المواد و تجاهل الإرادة الدولية و كلّ هذا تحت بند : أمن إسرائيل .
الجزء الثالث – المادة 6 :
1-. الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمى هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا.
3. حين يكون الحرمان من الحياة جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، يكون من المفهوم بداهة أنه ليس في هذه المادة أي نص يجيز لأية دولة طرف في هذا العهد أن تعفى نفسها على أية صورة من أي التزام يكون مترتبا عليها بمقتضى أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
قتلت إسرائيل عشرات الألوف من الفلسطينيين دون أن يستطيع فلسطيني واحد مسائلة إسرائيل أو طلب أحد جنودها
أو ضباطها إلى المحكمة أبداً . و معظم المجازر و عمليات القتل و الإبادة كالتي جرت مؤخرا في جنين وجنوب لبنان و غزة التي ارتكبتها إسرائيل ذهب ضحيتها أطفال و نساء لا علاقة لهم بأي أعمل قتالية . و يـُحرم أهالي الضحايا من رفع الدعاوى أمام المحاكم و هذا ما يجعل الجنود الإسرائيليين يستهينوا بحياة الناس و يقتلونهم دون خوف من حساب أو عقاب
المادة السابعة :
لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو التي تحط بالكرامة. وعلى وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر .
كلّ الأسرى الفلسطينيين أو اللبنانيين أو السوريين و من قبلهم المصريين تمّ و لا يزال يتم تعذيبهم بأبشع الطرق . و كلّ الذين خرجوا من السجون من هؤلاء , تحدثوا عن أعمال وحشية جسدية تمّت بحقهم و عن عمليات جراحية خضعوا لها دون تخدير وعن سرقة أعضاء لبعض الأحياء منهم و للذين قتلوا تحت التعذيب أو ماتوا في السجن متأثرين بجراحهم .
المادة الثامنة البند الثاني من الفقرة ج :
"2" أية خدمة ذات طابع عسكري، وكذلك، في البلدان التي تعترف بحق الاستنكاف الضميري عن الخدمة العسكرية، أية خدمة قومية يفرضها القانون على المستنكفين ضميريا.
يخضع العرب الإسرائيليين الذي يرفضون التجنيد في جيش الاحتلال , و بعض الجنود الإسرائيليين الذين يرفضون الذهاب إلى مناطق القتال , لمحاكمات عسكرية تفرض عليهم أحكاما قاسية .
المادة التاسعة :
. لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرر فيه.2. يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعا بأية تهمة توجه إليه.3. يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أية مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء.4. لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.5. لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض.
لا يتمتع السكان العرب الواقعين تحت الاحتلال الإسرائيلي بأدنى مقومات الأمان , إذ يتم اقتحام بيوتهم في كل الأوقات و اعتقالهم بشكل تعسفي أمام ذويهم و أطفالهم و التنكيل بهم و بأسرهم أثناء الاعتقال , و لا توجّه لهم أي تهمة جنائية أو جزائية بل يؤخذوا لاعتبارات يفرضها وضع الاحتلال الذي يعطي الحق لإسرائيل بالتصرف لاعتبارات أمنية مبنية على الظنون و على الردع و التهم الجاهزة و المسبقة لأي عربي يرفض الاحتلال . كما أن الكثير من هؤلاء المتهمون يقبعون في السجون و تحت التعذيب لفترات طويلة ثم يطلق سراحهم و لا يحق لهم المطالبة بأية حقوق أو تعويضات .و كل هذه الإجراءات التعسفية تتم تحت بنود فضفاضة غير قانونية إنما تمس ما تراه إسرائيل يدخل في نطاق أمنها .
المادة 10 :
يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية، تحترم الكرامة الأصيلة في الشخص الإنساني.2. (أ) يفصل الأشخاص المتهمون عن الأشخاص المدانين، إلا في ظروف استثنائية، ويكونون محل معاملة على حدة تتفق مع كونهم أشخاصا غير مدانين،(ب) يفصل المتهمون الأحداث عن البالغين. ويحالون بالسرعة الممكنة إلى القضاء للفصل في قضاياهم.3. يجب أن يراعى نظام السجون معاملة المسجونين معاملة يكون هدفها الأساسي إصلاحهم وإعادة تأهيلهم الاجتماعي. ويفصل المذنبون الأحداث عن البالغين ويعاملون معاملة تتفق مع سنهم ومركزهم القانوني
يعامل السجين العربي في إسرائيل كما ذكرنا سابقا معاملة غير آدمية أثناء فترة الاعتقال و التحقيق , ثم يـُرمى في السجن في ظروف صعبة جدا تشبه معسكرات الاعتقال التي يوجد فيها المعتقل جنائيا إلى جانب المعتقل السياسي . و قد عرفت المعتقلات الإسرائيلية مئات الإضرابات من قبل المعتقلين للمطالبة بأبسط حقوقهم الإنسانية داخل السجن و ذهب ضحية هذه الإضرابات عشرات القتلى داخل السجون , كما أن الأمهات الفلسطينيات المعتقلات الحوامل يلدن داخل السجن و يبقى الأطفال الرضّع داخل الزنازين في ظروف صعبة جدا لا يمكن للكبار احتمالها حتى يحتملها الأطفال .
المادة 12 البند الرابع :
. لا يجوز حرمان أحد، تعسفا، من حق الدخول إلى بلده.
تحرم إسرائيل ملايين الفلسطينيين الذين لديهم وثائق ملكية لأراض ٍ و بيوت في فلسطين التاريخية من حق العودة بعد أن تمّ تهجيرهم عن أرضهم قسراً .
المادة 14 البند الثاني :
. من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونا .
يعامل المعتقلين الفلسطينيين و غيرهم من الواقعين تحت سلطة إسرائيل , معاملة المجرمين منذ لحظة اعتقالهم و يتم تعذيبهم و التنكيل بهم طوال فترة اعتقالهم و دفعهم للاعتراف قسراً و تحت التعذيب بجرائم سياسية و عسكرية و إنسانية كلها متعلقة بالاحتلال و ظروفه و مقاومته .
المادة 17 :
. لا يحوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته.2. من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس.
تخرق إسرائيل هذه المادة بشكل فاضح , تقتحم البيوت و تعبث بكل محتوياتها دون أدنى مراعاة لخصوصية أصحابها , كما يتم الاقتحام عن طريق قوات جيش و ليس قوات شرطة .
المادة 20 :
تحظر بالقانون أية دعاية للحرب.2. تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.
يقوم الساسة الإسرائيليين في العلن بالدعاية للحرب و القتل و الدمار و تستخدم هذه الدعاية في حملات الانتخابات التي تكثر إبانها دعوات الحروب و الإبادة و العنصرية ضد العرب , و يمكن رصد هذه التصريحات بشكل يومي منذ قيام " دولة إسرائيل " حتى هذه اللحظة , كما يقوم رجال الدين الصهاينة جنباً إلى جنب مع رجال السياسة , بحملات عنصرية تحريضية ضد العرب و وصفهم بأبشع الصفات و إباحة قتلهم لأسباب دينية عنصرية أو لدواعي أمنية متعلقة بقيام الكيان الإسرائيلي .
المادة 25 :
يكون لكل مواطن، دون أي وجه من وجوه التمييز المذكور في المادة 2، الحقوق التالية، التي يجب أن تتاح له فرصة التمتع بها دون قيود غير معقولة: (أ) أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية،(ب) أن ينتخب وينتخب، في انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين،(ج) أن تتاح له، على قدم المساواة عموما مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده.
لا يتمتع المواطنون العرب الواقعون تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي بأي حقوق انتخابية حرة أو وظيفية , و ترفض إسرائيل نتائج أي انتخابات يقررها الشعب الفلسطيني الواقع تحت حكم السلطة الفلسطينية و تحاربها تماما و لا تعترف بهؤلاء الممثلون و هناك العديد من ممثلي الشعب الفلسطيني المنتخبين بشكل ديمقراطي . يقبعون في سجون إسرائيل بعد أن تم اعتقالهم بعد انتخابهم و لم تأبه إسرائيل بحصاناتهم النيابية أو السياسية الممنوحة لهم من الشعب .
كما أن المواطنين الإسرائيليين العرب غير اليهود لا يسمح لهم تقـلـّد الوظائف السيادية مطلقا بل يوضعون في وظائف ثانوية جدا . و يتم تفضيل اليهودي على أي متقدم عربي لوظيفة ما . على أساس عنصري.
المادة 27 :
لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنيه أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم.
تخرق إسرائيل هذه المادة بشكل كامل كما ذكرنا في التعليق على المادة الأولى .
ـ تخرق إسرائيل الجزء الرابع من العهد بكامل بنوده , إذ لا تسمح بقيام أو تشكيل أي لجان دولية مختصة بحقوق الإنسان لمتابعة حقوق الشعب الواقع تحت الاحتلال أو المساعدة في محاكمة المجرمين الذين يقومون بأعمال قتل و إبادة و سجن و اعتقال ضد هذا الشعب , و هذا الجزء هو مسؤولية الأمم المتحدة و المجتمع الدولي الذين لا يستطيعان محاسبة إسرائيل أو
محاكمة قادتها أو ضباطها أو جنودها . و إسرائيل تمنع عمل أي لجنة تحقيق دولية مهما كانت الأسباب و الغايات .
فهذا الجزء بالكامل لا تعترف به إسرائيل و لا تمارسه و لا يـُمارس عليها من أي جهة دولية إطلاقاً .
الـثـابـت لأيّ بـاحـث أو مـطـّلع , أنّ إسرائيل لم تـتـرك عـهـداً أو وثـيـقـة أو ميثاقاً
أو مـعـاهـدة دولـيـة إلاّ و خـرقـت مـعـظـم بـنـودهـا خـرقـاً واضـحـاً , و الـغـريـب
فـي الأمر أن إسرائيل و مسئوليها , لـم يـتـعـرّضـوا لـمـسـائـلـة و لـم يـُـقـدّموا
لـمـحـاكـمـة فـي يـوم مـن الأيـام ,
بـعـد أن عـرضـنـا الـحـقـوق المدنية و السياسية و القانونية للمواثيق و العهود
الدولية التي تخرقها إسرائيل , نعرض الآن الجـانب الاقتصادي من الـعـهـد الـدوليّ
و نـبـيـّن كـيـف تـتـعـامـل إسرائيل مع هـذا الجانب :
ـ الـمـادة الأولى :
- لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها. وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
بـيــّـنـا سـابقـا في العهود المدنية و السياسية كيف تخرق إسرائيل هذه المادة باحتلالها لأراضي الفلسطينيين و بناء الجدار العازل و حصارها لقطاع غزة و بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية التي يملك أصحابها صكوك ملكيتها , و نشرها للحواجز بين المدن و القرى و إيقاف السكان لساعات طويلة على هذه الحواجز و من بينهم العمال الذين يخسرون أعمالهم بسبب التأخير الدائم .
ـ المادة الثانية :
- لجميع الشعوب، سعيا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة.
تستولي إسرائيل على كل منابع المياه العذبة في الضفة الغربية و الجولان السوري و تقيم مستوطناتها على الأراضي الخصبة بعد طرد سكانها منها و مصادرة الأراضي . و تقيم معسكرات لجيشها قرب منابع المياه العذبة كما أنها قطعت و لا زالت تقطع مئات آلاف أشجار الزيتون و الحمضيات التابعة لأصحابها الفلسطينيين و تدمّر البساتين و الكروم و تصادرها لبناء الجدار العازل أو بناء المستوطنات أو الثكنات العسكرية .
ــ الجزء الثالث
المادة السادسة :
1-تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل، الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق.
معظم الشباب الفلسطينيين عاطلون عن العمل بسبب المضايقات الإسرائيلية على الحواجز و تأخيرهم لساعات طوال أو مساومتهم على تقديم معلومات عن شعبهم في سبيل تسهيل مرورهم إلى أعمالها , كما أن إسرائيل قصفت معظم المصانع الفلسطينية في غزة و ذلك بعد حصار خانق على القطاع حرمت من خلال دخول أي مواد أولية أو قطع غيار لهذه المصانع . كما أنها تقصف الورش الصغيرة باستمرار بحجّة أن بعض المقاومين يستخدموها لتصنيع مواد مفجرة و معظم الأحيان كانت هذه الحجج لا أساس لها من الصحة لأن الورش صغيرة جدا و ليس فيها أي مستلزمات لصنع متفجرات أو ما شابه.
ــ البند الثاني من المادة السادسة :
- يجب أن تشمل التدابير التي تتخذها كل من الدول الأطراف في هذا العهد لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق توفير برامج التوجيه والتدريب للتقنيين والمهنيين، والأخذ في هذا المجال بسياسات وتقنيات من شأنها تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية مطردة وعمالة كاملة ومنتجة في ظل شروط تضمن للفرد الحريات السياسية والاقتصادية الأساسية.
هذه الأمور كلها غير متوافرة في غزة أو الضفة بسبب سياسات الاحتلال فلا مدارس أو معاهد متوفرة بكفاءات عالية بسبب الفقر و الحصار و التضييق و لا تقنيات متوفرة لنفس الأسباب . و العامل الفلسطيني لا يجد عملاً لائقا سوى في إسرائيل و معظم هؤلاء العمال يخسرون عملها للأسباب التي ذكرناها سابقا حول الوقوف على نقاط التفتيش و المعابر أو بسبب المساومات من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية لهؤلاء العمال .
ــ المادة السابعة :
تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بما لكل شخص من حق في التمتع بشروط عمل عادلة ومرضية تكفل
على الخصوص:
(أ) مكافأة توفر لجميع العمال، كحد أدنى:
"1" أجرا منصفا، ومكافأة متساوية لدى تساوي قيمة العمل دون أي تمييز، على أن يضمن للمرأة خصوصا تمتعها بشروط عمل لا تكون أدنى من تلك التي يتمتع بها الرجل، وتقاضيها أجرا يساوي أجر الرجل لدى تساوي العمل،
"2" عيشا كريما لهم ولأسرهم طبقا لأحكام هذا العهد،
(ب) ظروف عمل تكفل المساواة والصحة،
(ج) تساوي الجميع في فرص الترقية، داخل عملهم، إلى مرتبة أعلى ملائمة، دون إخضاع ذلك إلا لاعتباري الأقدمية والكفاءة،
(د) الاستراحة وأوقات الفراغ، والتحديد المعقول لساعات العمل، والإجازات الدورية المدفوعة الأجر، وكذلك المكافأة عن أيام العطل الرسمية.
لا يمكن توافر هذه الشروط في ظلّ المعوقات التي ذكرناها سابقا و الناتجة عن الاحتلال , كما أن المرأة الفلسطينية تعمل تحت الاحتلال في ظروف عمل سيئة جداً لعدم توفر أدنى درجات العمل الكريم في مصانع متهالكة قديمة كما أن النساء الفلسطينيات العاملات كمعلمات في المدارس , عرضة دائما للخطر أو التوقف عن العمل , فالتعليم يتوقف دائما بسبب الظروف الأمنية الصعبة كما أن العمال و العاملات لا يتقاضون رواتبهم لأن إسرائيل تمنع دخول مساعدات مالية إلى غزة و مدنها و مناطقها و تمنع دخول الحوالات البنكية الخاصة برواتب العاملين و قد شهدت هذه المدن إضرابات كثيرة بسبب عدم تقاضي هؤلاء لرواتبهم لشهور طويلة جدا و لذلك هم لا يتمتعون بالحدّ الأدنى لشروط العمل و المكافئات و الحوافز , و لا حتى يستطيعون الحصول على رواتبهم معظم شهور السنة .
ــ المادة 10
تقر الدول الأطراف في هذا العهد بما يلي:
1- وجوب منح الأسرة، التي تشكل الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع، أكبر قدر ممكن من الحماية والمساعدة، وخصوصا لتكوين هذه الأسرة وطوال نهوضها بمسؤولية تعهد وتربية الأولاد الذين تعيلهم. ويجب أن ينعقد الزواج برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاء لا إكراه فيه.
لا يوجد حماية لا للفرد و لا للأسرة في ظل الاحتلال الإسرائيلي , فلا يوجد أسرة فلسطينية إلا و مقسومة في عدة بلدان بسبب التهجير كما أنه لا يوجد أي بيت فلسطيني ليس له ضحايا في القصف الإسرائيلي . هذه المادة و كثير غيرها لا يمكن حتى قراءتها على الفلسطينيين في ظلّ التهجير و التشريد و القتل و القصف و الترهيب .
2- وجوب توفير حماية خاصة للأمهات خلال فترة معقولة قبل الوضع وبعده. وينبغي منح الأمهات العاملات، أثناء الفترة المذكورة، إجازة مأجورة أو إجازة مصحوبة باستحقاقات ضمان اجتماعي كافية.
الأمهات الفلسطينيات سواء عاملات أو غير عاملات الكثير منهن يلدن أطفالهم على الحواجز و في الطريق إلى المستشفيات بسبب سياسة التضييق على المعابر و الانتظار لساعات دون التمييز بين المرضى و الحوامل و غيرهم من الناس الأصحاء .
3 - - وجوب اتخاذ تدابير حماية ومساعدة خاصة لصالح جميع الأطفال والمراهقين، دون أي تمييز بسبب النسب أو غيره من الظروف. ومن الواجب حماية الأطفال والمراهقين من الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي. كما يجب جعل القانون يعاقب على استخدامهم في أي عمل من شأنه إفساد أخلاقهم أو الإضرار بصحتهم أو تهديد حياتهم بالخطر أو إلحاق الأذى بنموهم الطبيعي. وعلى الدول أيضا أن تفرض حدودا دنيا للسن يحظر القانون استخدام الصغار الذين لم يبلغوها في عمل مأجور ويعاقب عليه.
الطفل الفلسطيني معرّض للقتل في الشوارع و في طريقه إلى المدرسة كما أن الكثير من الأطفال الفلسطينيين يضطرون لترك المدرسة للعمل لإعالة أسرهم بسبب مقتل الأب أو الأم أو بسبب الفقر الشديد الناجم عن الحصار المتواصل و سياسة الجوع التي تمارسها إسرائيل على أهالي قطاع غزة.
المادة 11
1-تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية. وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق، معترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم على الارتضاء الحر.
ذكرنا سابقا و كما هو معروف للعالم أجمع أن الحصار التي تطبقه إسرائيل يجعل من تطبيق هذه المواد أمر مستحيل بل إن إسرائيل تقصف مخازن الإغاثة حتى تلك التي تتبع للأونروا , كما حصل في غزة مؤخراً .
- واعترافا بما لكل إنسان من حق أساسي في التحرر من الجوع، تقوم الدول الأطراف في هذا العهد، بمجهودها الفردي وعن طريق التعاون الدولي، باتخاذ التدابير المشتملة على برامج محددة ملموسة واللازمة لما يلي:
(أ) تحسين طرق إنتاج وحفظ وتوزيع المواد الغذائية، عن طريق الاستفادة الكلية من المعارف التقنية والعلمية، ونشر المعرفة بمبادئ التغذية، واستحداث أو إصلاح نظم توزيع الأراضي الزراعية بطريقة تكفل أفضل إنماء للموارد الطبيعية وانتفاع بها ،
(ب) تأمين توزيع الموارد الغذائية العالمية توزيعا عادلا في ضوء الاحتياجات، يضع في اعتباره المشاكل التي تواجهها البلدان المستوردة للأغذية والمصدرة لها على السواء.
لا يمكن الحديث عن هذه القوانين و البنود في ظلّ الحصار الخانق , و قصف وكالات الإغاثة و مخازنها , و حرمان الفلسطينيين من استيراد بضائعهم و أدويتهم و أغذيتهم من الخارج , لا يمكن لهم ذلك تحت الحصار البري و الجوي و البحري .
المادة 12
1- تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه
المستشفيات و المصحّات الفلسطينية لا يوجد فيها معدّات حديثة و الكثير من الأحيان لا يوجد فيها كهرباء لأن إسرائيل تمنع وصول الوقود و الغاز كما تمنع وصول و استيراد المعدات , و المريض الفلسطيني معظم الأحيان يموت لأسباب طبية بسيطة جدا لا يمنع أن تحصل في بلد آخر .. فالكثير من الأدوية غير متوفرة و لا يمكن استيرادها بسبب الحصار .
- تشمل التدابير التي يتعين على الدول الأطراف في هذا العهد اتخاذها لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق، تلك التدابير اللازمة من أجل:
(أ) العمل على خفض معدل موتى المواليد ومعدل وفيات الرضع وتأمين نمو الطفل نموا صحيا.
شرحنا سابقا عن حال المستشفيات و عن المواليد الذين يولدون على المعابر بظروف بدائية تكون سبباً في موتهم لعدم توفر أبسط ظروف الحياة للوليد الذي يحتاج ظروف و رعاية و مراقبة خاصة في المستشفى .
(ج) الوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية والأمراض الأخرى وعلاجها ومكافحتها.
إضافة للأسباب السابقة , إن إسرائيل تقصف المناطق الفلسطينية الآهلة بالسكان بأسلحة محرمة دولياً كالفسفور و هذا يشكّل خطراً على صحة الناس جميعا و على البيئة بشكل عام .
(د) تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض.
تقوم إسرائيل بقصف سيارات الإسعاف و قتل المسعفين و منع وصولهم إلى المصابين أو المرضى الذين يموتون بسبب ذلك . و هذا حصل في كل حروب إسرائيل من جنوب لبنان إلى الضفة إلى جنين و مؤخرا غزة . لا يوجد حرب خاضتها إسرائيل و لم تقصف فيها سيارات الإسعاف و المسعفين , و يمكن العودة لأرشيفات هذه الحروب جميعاً .
المادة 13
1- تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل فرد في التربية والتعليم. وهي متفقة على وجوب توجيه التربية والتعليم إلى الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية والحس بكرامتها والى توطيد احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وهي متفقة كذلك على وجوب استهداف التربية والتعليم تمكين كل شخص من الإسهام بدور نافع في مجتمع حر، وتوثيق أواصر التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم ومختلف الفئات السلالية أو الإثنية أو الدينية، ودعم الأنشطة التي تقوم بها الأمم المتحدة من أجل صيانة السلم
وثيقة تفكيك إسرائيل - إسرائيل كيان غير شرعي
بـسـم الله , ربّ الناس أجمعين
بـاسـم الإنـسـانـيـّـة
نــُـعـلـن فـي الـبـدايــة , نـحـن مجموعة من الشباب , مُـعـدّي هـذه الـوثـيـقـة حـقـيـقـة َ أنـنـا لا نـنـتـمـي لأي تـيــّـار
أو حـزب سـيـاسـي , و لـم نـنـطـلـق فـي رؤيـتـنـا هـذه مـن أيّ مـنـطـلـق إثــنـيّ أو عـرقـيّ أو ديـنـيّ , بــل
نــُـعـلـن انـحـيـازنـا الــتـامّ للإنـسـان و لـحـقــّـه فـي الـعـيـش بـسـلام و كـرامــة , بـغـضّ النظر عن لونه و دينه و عرقه وجنسيته و انتماءاته . ونعلن احترامنا لكلّ هذه المبادئ و العقائد و وقـوفـنـا إلـى جـانـب الـحـقّ
و الـعـدالــة ضـد كـلّ أشـكـال الـظـلـم والـقـمـع و الـقـتـل واغـتـصـاب الـحـقـوق و تـشـويـه الـحـقـائـق . و تـتـلـخـّـص رؤيـتـنـا هـنـا , فـي عـدم إمكانـيـّـة اسـتـمـرار مـا يــُـسـمـّى " بـدولـة إسرائيل "و لـديـنـا حـجـجـنـا الـقـانـونـيـة
و الـسـيـاسـيـة و الإنـسـانـيـة الـتـي نـضـعـهـا هـنـا أمـام الـعـالـم :
ــ أولاً : إسرائيل لـيـسـت دولــة وفـقـاً لـلـتـعـريـف الـعـالـمـي لـلـكـلـمـة
* تـعـريـف الـدولـة : الدولة هي رابطة سياسية مع سيادة فعلية على منطقة جغرافية معينة. وهى سيطرة لمنظومة حكم (ملك أو رئيس) مع حاشيته وأعوانه على الحكم على رقعة من الأرض بما تحتويه من مقيمين وموجودات مادية وقيم معنوية لفترة زمنية قد تطول أو تقصر. وبمراجعة التعريف فإن إسرائيل ليست رابطة سياسية، وإنما رابطة دينية عرقية عنصرية، كما أنها لا تتمتع بالسيادة، حيث تعتمد كليا على الولايات المتحدة الأمريكية، وهي بمثابة مستعمرة أمريكية تتبع للولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا ودوليا، وقد صرحت الإدارات الأمريكية المتتابعة وأكدت على تبعية دولة إسرائيل تبعية كاملة والتزام الولايات المتحدة بأمنها واقتصادها وحماية وجودها. لذلك فمن الأجدر إطلاق لفظ "مستعمرة" على الكيان الإسرائيلي ، وهو مصطلح أشمل وأقرب للواقع.
ثانيا: الكيان الإسرائيلي كيان خارج عن القانون الدولي ويجب ملاحقته
بالرغم من أن إسرائيل هي وليدة الأمم المتحدة، وذلك بعد قيام عصابات صهيونية بقتل الوسيط الدولي للأمم المتحدة الكونت برنادوت الذي وجد في ميلاد إسرائيل ما هو مخالف للقوانين الدولية والإرث الحضاري والإنساني، إلا أن هـذا الكيان قد خالف كل القوانين الدولية وخرج عنها بلا أدنى اكتراث.
1- تأسست إسرائيل على أكتاف عصابات إرهابية كانت مطاردة من قبل دول العالم الأول.
2- منذ نشأتها لم تلتزم إسرائيل بمعظم قرارات مجلس الأمن واعتمدت في خروجها عن القانون الدولي على مساندة الفيتو الأمريكي. وقد خالفت مئات من قرارات مجلس الأمن.
3- تنتهك إسرائيل دوما كافة القوانين الدولية، ذلك بالاستمرار في الاحتلال، والاستهداف المتعمد للمدنيين، والاستهداف المتعمد للصحفيين والأطباء ومنع وصول الإسعافات والمساعدات للمناطق المنكوبة التي تقوم إسرائيل بقصفها في الأراضي المحتلة.
4- إسرائيل ليست من الدول المسموح لها بامتلاك أسلحة دمار شامل ومع ذلك فهي لم توقع على اتفاقية عدم التسلح النووي.
5- تقوم إسرائيل الآن بانتهاك الحقوق المدنية والسياسية لمواطنيها وذلك بحرمان الإسرائيليين من أصول عربية بمزاولة نشاطهم السياسي والمشاركة في الانتخابات وقد اتخذ هذا القرار مؤخرا وفقا لمعايير عنصرية تخالف كل القوانين الدولية، تماما كما كانت دولة جنوب أفريقيا تحرم السكان الأصليين من المشاركة السياسية. و يقوم المسئولين الإسرائيليين بالتصريح علناً بوجوب ( يهوديـّة ) هذا الكيان و خروج كلّ من هو ليس يهوديا خارج حدود هذه الدولة , و كان تصريح وزيرة الخارجية ليفني الأخير واضحاً و صريحاً في هذا الشأن حيث قالت أنه في حال قيام أي دولة فلسطينية فعلى العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية مغادرة إسرائيل فوراً إلى تلك الدولة لتبقى إسرائيل صافية العرق و الدين , و هذا الأمر مخالف لكلّ الأعراف القانونية و السياسية و الإنسانية .و على رأسها ( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) الذي سيتم التطرق له في الفقرة القادمة .
ثالثا: الفكر الصهيوني مخالف للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية:
1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
المواد التي تخالفها إسرائيل:
المادة الأولى:
يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء.
المادة الثانية:
لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلا عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود.
- إن الفكر الصهيوني يفرق بين البشر على أساس العرق والدين، وهو يقوم على فكرة شعب الله المختار الذي يحق له قتل المدنيين واحتلال أراضيهم وانتهاك حقوقهم الإنسانية والسياسية والاقتصادية وتجويعهم وحصارهم كما حدث في غزة، والمصادرة على حقوقهم في المشاركة السياسية بناء على عنصرهم كما يحدث مع الإسرائيليين من أصول عربية.
المادة 3
لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.
- لم تكف إسرائيل عن سلب الآخرين حقوقهم في الحياة والحرية والسلامة الشخصية منذ بداية تأسيسها بداية من مذبحة دير ياسين التي قامت بها العصابات الصهيونية قبل الإعلان عن إنشاء هذا الكيان .. مروراً بمجزرة الدوايمة عام 1948 و مجزرة كفر قاسم عام 1956 وحتى مذبحة غزة الأخير (ديسمبر 2008 – يناير 2009). وقد صرح المسئولون الإسرائيليون أكثر من مرة، وعلنا، بأنهم يستهدفون المدنيين عن عمد لكسر إرادة المقاومة. ولم يسلم من مذابحهم طفلا أو امرأة أو حتى مقرات الأمم المتحدة. وقد قامت إسرائيل بقصف مقار الأمم المتحدة أكثر من مرة في لبنان وفلسطين و ارتكاب مجازر داخل هذه المقار ، واستخدام أسلحة محرمة دوليا، ولم تخضع إسرائيل ولو لمرة واحدة للمحاكمة الدولية، كما أنها رفضت استقبال مندوبي الأمم المتحدة بعد مذبحة جنين.
المادة 5
لا يعرّض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو التي تحط بالكرامة.
- تقوم إسرائيل بممارسة التعذيب المنظم على الأسرى الفلسطينيين، وعلى المواطنين العزل الذين يحتجزون على المعابر الفلسطينية. بل على الأطفال الفلسطينيين الذين يرغبون في الذهاب إلى مدارسهم. و على الناس في شوارع المدن و القرى المحتلة . و تمتهن كراماتهم و تعاملهم معاملة غير آدمية . بربطهم من أيديهم و عصب أعينهم و إيقافهم في طوابير طويلة للتحقيق أو التفتيش , كما قامت لمرات عديدة و أمام أجهزة الإعلام بربط أطفال فلسطينيين على واجهة السيارات العسكرية لمنع أقرانهم الأطفال من رمي الحصى و الحجارة على دوريات الاحتلال التي تنتهك حرمات شوارعهم و منازلهم .
-
المادة 9
لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً...
- قامت إسرائيل منذ بداية تأسيسها بطرد الفلسطينيين من أراضيهم وهدم بيوتهم وهم يعيشون لاجئين حاليا في دول متفرقة، وتنكر عليهم حق العودة.
- تقوم إسرائيل باحتجاز آلاف من الأسرى الفلسطينيين في سجونها ومن بينهم أطفال ونساء.
وتشير التقارير و شهود العيان أن الجيش الإسرائيلي قام خلال الحرب الأخيرة على غزة باعتقال أكثر من ألف مواطن ممن هم أكثر من 16 عاما ووضعتهم في أماكن معرضة للخطر ولفترات متفاوتة ، فيما الأخطر كان استخدامها لهؤلاء المعتقلين كدروع بشرية في كثير من الأحيان ، والأسوأ اعتقالها لجرحى ومصابين دون تقديم الإسعافات الأولية لهم ، بل والتعمد في إبقائهم ينزفون دون السماح لطواقم الإسعاف الفلسطينية بالوصول إليهم ، كما ومارست سياسة الإعدام الميداني بحق بعضهم .
وفى روايات حية من المواطنين المعتقلين العُزَّل أكدوا أن قوات الاحتلال استخدمت هؤلاء المعتقلين كدروع بشرية في أماكن متقدمة من ساحة القتال المباشرة ، حيث وضعتهم في حفر كبيرة أمام الدبابات المتمركزة في بعض المناطق التي احتلتها وعرضه لمرمى النيران المتبادلة ، وفي مشاهد أخرى وضعتهم مباشرة أمام الدبابات ، وفي مقدمة الجنود أثناء اقتحامهم للأبراج والشقق والبنايات السكنية ، فيما تم احتجاز أسر بأكملها في غرفة واحدة تحت نيران بنادق الاحتلال وتحويل البيت الى نقطة مراقبة عسكرية وإطلاق النيران منه مما عرض أسر بأكملها للخطر. وهناك 200 مواطن لازالوا رهن الاعتقال ومنهم من أخضعوا للاستجواب السريع والآني ، وللتعذيب والابتزاز وهناك خشيته على حياتهم ، لاسيما وأن سلطات الاحتلال رفضت التعاون مع منظمة الصليب الأحمر الدولية بهذا الصدد ، أو الاستجابة لمطالب السلطة الوطنية الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية والإنسانية بالكشف عن أعداد وأسماء كافة المعتقلين لديها منذ اليوم الأول للحرب وحتى اللحظة مما قد يكون منحها الفرصة لإعدام بعضهم بشكل متعمد وإلقاء جثامينهم في شوارع غزة التي كانت تحتلها قوات الاحتلال ووجدت ملقاة على قارعة الطريق بعد انسحاب قوات الاحتلال منها .
المادة 13
( 1 ) لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة..
( 2 ) يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.
- تقوم إسرائيل بمصادرة حق الفلسطينيين في التنقل باحتجازهم على المعابر لساعات قد تصل إلى عشرين ساعة أو أكثر.
- تمنع إسرائيل اللاجئين الفلسطينيين من عودتهم إلى أوطانهم.
- تقوم إسرائيل بتحديد إقامة عدد كبير من أهالي فلسطين ومنعهم من السفر دون إبداء أي أسباب قانونية.
المادة 14
( 1 ) لكل فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد.
( 2 ) لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية أو لأعمال تناقض أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.
- تقوم إسرائيل بقصف المدن الفلسطينية وهي على ذلك تمنع سكان المدن من المدنيين من مغادرة هذه المدن بغلق المعابر والحدود كما فعلت في محرقة غزة الأخيرة (2008-2009).
المادة 15
( 1 ) لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.
( 2 ) لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها.
تمنح إسرائيل جنسيتها لكل من يدين بالدين اليهودي في هذا العالم , على أساس دينيّ عنصريّ واضح . بينما تهدد بعض العرب حاملي الجنسية من إسقاطها عنهم لأسباب سياسية كما حصل مع المفكـّر عزمي بشارة لمخالفتهم الفكر الصهيوني . و تـنـكر حق العودة و المواطنة لملايين الفلسطينيين ممن تم تهجيرهم بالقوة عن أراضي فلسطين التاريخية .
كـمـا أن إسرائيل قـامـت و بالقوة بفرض الجنسية الإسرائيلية على أهالي الجولان السوري المحتلّ و ذلك لسلخهم نهائياً عن هويتهم الوطنية الأمّ , و مارست و لا تزال تمارس أبشع أنواع الضغط على كلّ من رفض و يرفض هذه الجنسية من أهالي الجولان و تقوم بالتضييق عليهم في أبسط حريّاتهم الشخصية و العامة .
المادة 17
( 1 ) لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.
( 2 ) لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً.
تقوم إسرائيل بمصادرة الأراضي والأملاك الفلسطينية وطرد الفلسطينيين وإبعادهم لإقامة مستوطنات استعمارية على الأراضي المملوكة للفلسطينيين.
كما أنّ إسرائيل قامت على مدى عشرات السنين و لا زالت حتى هذه اللحظة , بقلع و تدمير عشرات الآلاف من أشجار الزيتون و الحمضيات من بساتين و كروم تعود ملكيتها للفلسطينيين و ذلك بالقوة و الإرهاب . كما قامت و تقوم ببناء جدار فصل عنصري على أراضي مصادرة من الفلسطينيين . حيث قـسـّمت القرى و المزارع إلى كانتونات منفصلة غير قابلة للحياة .
المادة 21
( 1 ) لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً.
( 2 ) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.
( 3 ) إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.
سبق وأن أشرنا إلى أن إسرائيل اتخذت قرار بحرمان الأحزاب الإسرائيلية العربية من المشاركة في الانتخابات ومزاولة حقوقهم الديمقراطية وذلك بناء على العرق. و تقوم إسرائيل برفض و قمع و تقويض كل الخيارات الديمقراطية للشعب الفلسطيني على الأرض الواقعة الآن تحت السلطة الفلسطينية . و تعتقل وزراء و نواب ممثلون للشعب و مختارون ديمقراطياً و تحجز حرياتهم دون محاكمات أو بمحاكمات صورية عسكرية لا يتمتع فيها المعتقل بأبسط حقوقه المدنية لا كفرد و لا كممثل لشعب .
المادة 22
لكل شخص بصفته عضواً في المجتمع الحق في الضمانة الاجتماعية وفي أن تحقق بوساطة المجهود القومي والتعاون الدولي وبما يتفق ونظم كل دولة ومواردها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي لاغني عنها لكرامته وللنمو الحر لشخصيته.
- تقوم إسرائيل بغلق المعابر على الفلسطينيين، ومنع وصول المساعدات الإنسانية لهم كما حدث في غزة.
- تستغل إسرائيل العمالة الفلسطينية أسوأ استغلال، وتسخرهم للعمل بأجور زهيدة، كمان أن العامل الفلسطيني لا ينعم بأية حقوق قانونية داخل دولة الكيان الصهيوني مما يعرضه للفصل أو التنكيل في أية لحظة ولا يحق له التظلم أمام القانون.
المادة 23
( 1 ) لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة.
( 2 ) لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل.
( 3 ) لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية.
( 4 ) لكل شخص الحق في أن ينشئ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته.
المادة 24
لكل شخص الحق في الراحة، وفي أوقات الفراغ، ولاسيما في تحديد معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية بأجر.
المادة 25
( 1 ) لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.
تـقـوم إسرائيل بخرق كلّ هذه المواد من خلال التضييق على العمال الفلسطينيين و حجزهم لساعات طويلة على المعابر و أيضا استغلالها لمعظم هؤلاء العمال سياسيا كمقايضتها لأجورهم و حقوقهم بالطلب منهم مدّ أجهزتها الأمنية بمعلومات استخباراتية عن مسئولين و مواطنين فلسطينيين تمهيداً لقتلهم أو اعتقالهم .
( 2 ) للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين، وينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواء أكانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أو بطريقة غير شرعية.
جعلت إسرائيل من الحالة الإنسانية و المعيشية للفلسطينيين جحيماً لا يطاق . إذ أن الكثير من الأمهات الفلسطينيات الحوامل يـلـدن على المعابر و في العراء و لا يقوم جيش الاحتلال بأي مساعدة أو تسهيلات لعبور الحوامل و المرضى بشكل عام , و يموت المئات سنوياً على المعابر لحرمانهم من الوصول إلى المستشفيات و عدم تقديم أي إسعافات لهم . كما أن الطفل الفلسطيني يولد و يكبر تحت القصف و الحصار و وسط مشاهد الموت و الدمار , و يحرم من أبسط حقوقه كطفل . و تفرض عليه إسرائيل العيش في بيئة حرب دائمة , كما أنها تحرمه من حقه في العلم و الذهاب إلى مدرسة آمنة . حيث قصفت المدارس مرات عديدة و تعدّ نسبة الأطفال القتلى بين الفلسطينيين هي أعلى نسبة شهدتها الحروب في العصر الحديث . ومن بين هؤلاء الأطفال الكثير من الرضـّع و الذين لا تتجاوز أعمارهم أشهراً قليلة , منهم من قتل بالرصاص مباشرة.
تـخـرق إسرائيل معظم إن لم يكن كلّ بـنـود الـعـهـد الـدولـي الـخـاص بالـحـقـوق الـمـدنـيـة و السياسية للشعب الفلسطيني و لـسـكـّان الجولان السوري المحتل .
فهي بـدايـة تـتـجاهـل الـمـادة الأولى مـن الجزء الأول للعهد بشكل كامل :
تقول المادة الأولى :
.1ـ لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها. وهى بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.2. لجميع الشعوب، سعيا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة.3. على الدول الأطراف في هذا العهد، بما فيها الدول التي تقع على عاتقها مسئولية إدارة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم المشمولة بالوصاية، أن تعمل على تحقيق حق تقرير المصير وأن تحترم هذا الحق، وفقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.
و إسرائيل كدولة احتلال تنكر على الشعب الفلسطيني و على أهل الجولان السوري المحتل حق الاستقلال و سيادة أنفسهم و تقرير مصيرهم كما يتوافق مع تطلعاتهم و تـصـادر كل حقوقهم الاقتصادية و المدنية وتمنع خياراتهم السياسية الحرّة بالقوة و القمع , و تسجن مثقفيهم و كتّابهم و شعرائهم و صحفييهم و تفرض على السكان الواقعين تحت سيطرتها مباشرة , ثقافة دولة الاحتلال , و تمنع عليهم دراسة تاريخهم أو تنمية ثقافتهم الخاصة و هذا حقّ مكتسب لكلّ شعوب الأرض تمنعه إسرائيل وتفرض واقعاً لا يتوافق أبداً مع أحلام و خيارات الشعوب.
الجزء الثاني - المادة الثانية
. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.2. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلا إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريا لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية. 3. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد: (أ) بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية،(ب) بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو أن تبت في الحقوق التي يدعى انتهاكها سلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن تنمى إمكانيات التظلم القضائي،(ج) بأن تكفل قيام السلطات المختصة بإنفاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين.
تخرق إسرائيل هذه البنود جميعاً . إذ أنّ كل مواطن عربي يــعُامل كمواطن من الدرجة الثالثة , إذ يحق لليهودي المدني حمل السلاح و فرض إرادته على غيره بالقوة و ممارسة شعائره الدينية بحريّة مهما كانت متطرفة و مؤذية للغير , بينما غير اليهودي يـُساق إلى الجيش بالقوة و يوضع في الخطوط الأمامية للقتال و يتم استغلاله تحت الضغط و الترهيب و الترغيب للتأثير على أبناء جلدته الرافضين للاحتلال و مقاتلتهم و محاولة تجنيدهم لحساب دولة الاحتلال . و يمنع على الفلسطيني ممارسة شعائره الدينية في المساجد و المعابد إلا تحت نظر قوات الاحتلال و بطريقة انتقائية , فإسرائيل تمنع من هم تحت سن الخمسين من الذهاب و الصلاة في المسجد الأقصى تحت حجج واهية . و يضطر الناس للصلاة في الطرقات , تحيط بهم قوات الأمن من كل جانب .
كما أن كلّ فرد فلسطيني أو جولاني تعتقله إسرائيل بأيّ تهمة كانت . يخضع للمحاكمات الصورية و يـُعامل بقسوة من قبل القضاة و يؤخذ بالاعتبار رأيه السياسي من الاحتلال فقط . و يتم تجاهل كل حقوقه القانونية , إلا بإجراءات شكلية لا تقدم و لا تؤخر في سير المحاكمات . و في سجون إسرائيل عشرات آلاف الأسرى التي تم اعتقالهم و محاكمتهم بسبب أرائهم السياسية أو سعيهم
لتقرير مصيرهم و معظمهم تم الحكم عليه بأحكام طويلة جدا و بينهم الكثير من الأطفال و النساء . كما تتعمد إسرائيل
إلى إبقاء الكثير منهم في السجون لسنوات طويلة دون قبل أن تبدأ محاكماتهم الشكلية .
المادة 4
. في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.2. لا يجيز هذا النص أي مخالفة لأحكام المواد 6 و 7 و 8 (الفقرتين 1 و 2) و 11 و 15 و 16 و 18.3. على أية دولة طرف في هذا العهد استخدمت حق عدم التقيد أن تعلم الدول الأطراف الأخرى فورا، عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، بالأحكام التي لم تتقيد بها وبالأسباب التي دفعتها إلى ذلك. وعليها، في التاريخ الذي تنهى فيه عدم التقيد، أن تعلمها بذلك مرة أخرى وبالطريق ذاته .
إسرائيل كدولة احتلال تعطي لنفسها الحق بخرق كل هذه المواد كما أسلفنا سابقا و تحت حجّة الأمن , بينما تمنع الأمن و الأمان على كلّ السكان الواقعين تحت سيطرتها من غير اليهود . كما أنها لا تنفذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن , و الفيتو الأمريكي يساعدها على خرق هذه المواد و تجاهل الإرادة الدولية و كلّ هذا تحت بند : أمن إسرائيل .
الجزء الثالث – المادة 6 :
1-. الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمى هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا.
3. حين يكون الحرمان من الحياة جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، يكون من المفهوم بداهة أنه ليس في هذه المادة أي نص يجيز لأية دولة طرف في هذا العهد أن تعفى نفسها على أية صورة من أي التزام يكون مترتبا عليها بمقتضى أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
قتلت إسرائيل عشرات الألوف من الفلسطينيين دون أن يستطيع فلسطيني واحد مسائلة إسرائيل أو طلب أحد جنودها
أو ضباطها إلى المحكمة أبداً . و معظم المجازر و عمليات القتل و الإبادة كالتي جرت مؤخرا في جنين وجنوب لبنان و غزة التي ارتكبتها إسرائيل ذهب ضحيتها أطفال و نساء لا علاقة لهم بأي أعمل قتالية . و يـُحرم أهالي الضحايا من رفع الدعاوى أمام المحاكم و هذا ما يجعل الجنود الإسرائيليين يستهينوا بحياة الناس و يقتلونهم دون خوف من حساب أو عقاب
المادة السابعة :
لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو التي تحط بالكرامة. وعلى وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر .
كلّ الأسرى الفلسطينيين أو اللبنانيين أو السوريين و من قبلهم المصريين تمّ و لا يزال يتم تعذيبهم بأبشع الطرق . و كلّ الذين خرجوا من السجون من هؤلاء , تحدثوا عن أعمال وحشية جسدية تمّت بحقهم و عن عمليات جراحية خضعوا لها دون تخدير وعن سرقة أعضاء لبعض الأحياء منهم و للذين قتلوا تحت التعذيب أو ماتوا في السجن متأثرين بجراحهم .
المادة الثامنة البند الثاني من الفقرة ج :
"2" أية خدمة ذات طابع عسكري، وكذلك، في البلدان التي تعترف بحق الاستنكاف الضميري عن الخدمة العسكرية، أية خدمة قومية يفرضها القانون على المستنكفين ضميريا.
يخضع العرب الإسرائيليين الذي يرفضون التجنيد في جيش الاحتلال , و بعض الجنود الإسرائيليين الذين يرفضون الذهاب إلى مناطق القتال , لمحاكمات عسكرية تفرض عليهم أحكاما قاسية .
المادة التاسعة :
. لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرر فيه.2. يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعا بأية تهمة توجه إليه.3. يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أية مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء.4. لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.5. لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض.
لا يتمتع السكان العرب الواقعين تحت الاحتلال الإسرائيلي بأدنى مقومات الأمان , إذ يتم اقتحام بيوتهم في كل الأوقات و اعتقالهم بشكل تعسفي أمام ذويهم و أطفالهم و التنكيل بهم و بأسرهم أثناء الاعتقال , و لا توجّه لهم أي تهمة جنائية أو جزائية بل يؤخذوا لاعتبارات يفرضها وضع الاحتلال الذي يعطي الحق لإسرائيل بالتصرف لاعتبارات أمنية مبنية على الظنون و على الردع و التهم الجاهزة و المسبقة لأي عربي يرفض الاحتلال . كما أن الكثير من هؤلاء المتهمون يقبعون في السجون و تحت التعذيب لفترات طويلة ثم يطلق سراحهم و لا يحق لهم المطالبة بأية حقوق أو تعويضات .و كل هذه الإجراءات التعسفية تتم تحت بنود فضفاضة غير قانونية إنما تمس ما تراه إسرائيل يدخل في نطاق أمنها .
المادة 10 :
يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية، تحترم الكرامة الأصيلة في الشخص الإنساني.2. (أ) يفصل الأشخاص المتهمون عن الأشخاص المدانين، إلا في ظروف استثنائية، ويكونون محل معاملة على حدة تتفق مع كونهم أشخاصا غير مدانين،(ب) يفصل المتهمون الأحداث عن البالغين. ويحالون بالسرعة الممكنة إلى القضاء للفصل في قضاياهم.3. يجب أن يراعى نظام السجون معاملة المسجونين معاملة يكون هدفها الأساسي إصلاحهم وإعادة تأهيلهم الاجتماعي. ويفصل المذنبون الأحداث عن البالغين ويعاملون معاملة تتفق مع سنهم ومركزهم القانوني
يعامل السجين العربي في إسرائيل كما ذكرنا سابقا معاملة غير آدمية أثناء فترة الاعتقال و التحقيق , ثم يـُرمى في السجن في ظروف صعبة جدا تشبه معسكرات الاعتقال التي يوجد فيها المعتقل جنائيا إلى جانب المعتقل السياسي . و قد عرفت المعتقلات الإسرائيلية مئات الإضرابات من قبل المعتقلين للمطالبة بأبسط حقوقهم الإنسانية داخل السجن و ذهب ضحية هذه الإضرابات عشرات القتلى داخل السجون , كما أن الأمهات الفلسطينيات المعتقلات الحوامل يلدن داخل السجن و يبقى الأطفال الرضّع داخل الزنازين في ظروف صعبة جدا لا يمكن للكبار احتمالها حتى يحتملها الأطفال .
المادة 12 البند الرابع :
. لا يجوز حرمان أحد، تعسفا، من حق الدخول إلى بلده.
تحرم إسرائيل ملايين الفلسطينيين الذين لديهم وثائق ملكية لأراض ٍ و بيوت في فلسطين التاريخية من حق العودة بعد أن تمّ تهجيرهم عن أرضهم قسراً .
المادة 14 البند الثاني :
. من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونا .
يعامل المعتقلين الفلسطينيين و غيرهم من الواقعين تحت سلطة إسرائيل , معاملة المجرمين منذ لحظة اعتقالهم و يتم تعذيبهم و التنكيل بهم طوال فترة اعتقالهم و دفعهم للاعتراف قسراً و تحت التعذيب بجرائم سياسية و عسكرية و إنسانية كلها متعلقة بالاحتلال و ظروفه و مقاومته .
المادة 17 :
. لا يحوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته.2. من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس.
تخرق إسرائيل هذه المادة بشكل فاضح , تقتحم البيوت و تعبث بكل محتوياتها دون أدنى مراعاة لخصوصية أصحابها , كما يتم الاقتحام عن طريق قوات جيش و ليس قوات شرطة .
المادة 20 :
تحظر بالقانون أية دعاية للحرب.2. تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.
يقوم الساسة الإسرائيليين في العلن بالدعاية للحرب و القتل و الدمار و تستخدم هذه الدعاية في حملات الانتخابات التي تكثر إبانها دعوات الحروب و الإبادة و العنصرية ضد العرب , و يمكن رصد هذه التصريحات بشكل يومي منذ قيام " دولة إسرائيل " حتى هذه اللحظة , كما يقوم رجال الدين الصهاينة جنباً إلى جنب مع رجال السياسة , بحملات عنصرية تحريضية ضد العرب و وصفهم بأبشع الصفات و إباحة قتلهم لأسباب دينية عنصرية أو لدواعي أمنية متعلقة بقيام الكيان الإسرائيلي .
المادة 25 :
يكون لكل مواطن، دون أي وجه من وجوه التمييز المذكور في المادة 2، الحقوق التالية، التي يجب أن تتاح له فرصة التمتع بها دون قيود غير معقولة: (أ) أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية،(ب) أن ينتخب وينتخب، في انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين،(ج) أن تتاح له، على قدم المساواة عموما مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده.
لا يتمتع المواطنون العرب الواقعون تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي بأي حقوق انتخابية حرة أو وظيفية , و ترفض إسرائيل نتائج أي انتخابات يقررها الشعب الفلسطيني الواقع تحت حكم السلطة الفلسطينية و تحاربها تماما و لا تعترف بهؤلاء الممثلون و هناك العديد من ممثلي الشعب الفلسطيني المنتخبين بشكل ديمقراطي . يقبعون في سجون إسرائيل بعد أن تم اعتقالهم بعد انتخابهم و لم تأبه إسرائيل بحصاناتهم النيابية أو السياسية الممنوحة لهم من الشعب .
كما أن المواطنين الإسرائيليين العرب غير اليهود لا يسمح لهم تقـلـّد الوظائف السيادية مطلقا بل يوضعون في وظائف ثانوية جدا . و يتم تفضيل اليهودي على أي متقدم عربي لوظيفة ما . على أساس عنصري.
المادة 27 :
لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنيه أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم.
تخرق إسرائيل هذه المادة بشكل كامل كما ذكرنا في التعليق على المادة الأولى .
ـ تخرق إسرائيل الجزء الرابع من العهد بكامل بنوده , إذ لا تسمح بقيام أو تشكيل أي لجان دولية مختصة بحقوق الإنسان لمتابعة حقوق الشعب الواقع تحت الاحتلال أو المساعدة في محاكمة المجرمين الذين يقومون بأعمال قتل و إبادة و سجن و اعتقال ضد هذا الشعب , و هذا الجزء هو مسؤولية الأمم المتحدة و المجتمع الدولي الذين لا يستطيعان محاسبة إسرائيل أو
محاكمة قادتها أو ضباطها أو جنودها . و إسرائيل تمنع عمل أي لجنة تحقيق دولية مهما كانت الأسباب و الغايات .
فهذا الجزء بالكامل لا تعترف به إسرائيل و لا تمارسه و لا يـُمارس عليها من أي جهة دولية إطلاقاً .
الـثـابـت لأيّ بـاحـث أو مـطـّلع , أنّ إسرائيل لم تـتـرك عـهـداً أو وثـيـقـة أو ميثاقاً
أو مـعـاهـدة دولـيـة إلاّ و خـرقـت مـعـظـم بـنـودهـا خـرقـاً واضـحـاً , و الـغـريـب
فـي الأمر أن إسرائيل و مسئوليها , لـم يـتـعـرّضـوا لـمـسـائـلـة و لـم يـُـقـدّموا
لـمـحـاكـمـة فـي يـوم مـن الأيـام ,
بـعـد أن عـرضـنـا الـحـقـوق المدنية و السياسية و القانونية للمواثيق و العهود
الدولية التي تخرقها إسرائيل , نعرض الآن الجـانب الاقتصادي من الـعـهـد الـدوليّ
و نـبـيـّن كـيـف تـتـعـامـل إسرائيل مع هـذا الجانب :
ـ الـمـادة الأولى :
- لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها. وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
بـيــّـنـا سـابقـا في العهود المدنية و السياسية كيف تخرق إسرائيل هذه المادة باحتلالها لأراضي الفلسطينيين و بناء الجدار العازل و حصارها لقطاع غزة و بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية التي يملك أصحابها صكوك ملكيتها , و نشرها للحواجز بين المدن و القرى و إيقاف السكان لساعات طويلة على هذه الحواجز و من بينهم العمال الذين يخسرون أعمالهم بسبب التأخير الدائم .
ـ المادة الثانية :
- لجميع الشعوب، سعيا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة.
تستولي إسرائيل على كل منابع المياه العذبة في الضفة الغربية و الجولان السوري و تقيم مستوطناتها على الأراضي الخصبة بعد طرد سكانها منها و مصادرة الأراضي . و تقيم معسكرات لجيشها قرب منابع المياه العذبة كما أنها قطعت و لا زالت تقطع مئات آلاف أشجار الزيتون و الحمضيات التابعة لأصحابها الفلسطينيين و تدمّر البساتين و الكروم و تصادرها لبناء الجدار العازل أو بناء المستوطنات أو الثكنات العسكرية .
ــ الجزء الثالث
المادة السادسة :
1-تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل، الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق.
معظم الشباب الفلسطينيين عاطلون عن العمل بسبب المضايقات الإسرائيلية على الحواجز و تأخيرهم لساعات طوال أو مساومتهم على تقديم معلومات عن شعبهم في سبيل تسهيل مرورهم إلى أعمالها , كما أن إسرائيل قصفت معظم المصانع الفلسطينية في غزة و ذلك بعد حصار خانق على القطاع حرمت من خلال دخول أي مواد أولية أو قطع غيار لهذه المصانع . كما أنها تقصف الورش الصغيرة باستمرار بحجّة أن بعض المقاومين يستخدموها لتصنيع مواد مفجرة و معظم الأحيان كانت هذه الحجج لا أساس لها من الصحة لأن الورش صغيرة جدا و ليس فيها أي مستلزمات لصنع متفجرات أو ما شابه.
ــ البند الثاني من المادة السادسة :
- يجب أن تشمل التدابير التي تتخذها كل من الدول الأطراف في هذا العهد لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق توفير برامج التوجيه والتدريب للتقنيين والمهنيين، والأخذ في هذا المجال بسياسات وتقنيات من شأنها تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية مطردة وعمالة كاملة ومنتجة في ظل شروط تضمن للفرد الحريات السياسية والاقتصادية الأساسية.
هذه الأمور كلها غير متوافرة في غزة أو الضفة بسبب سياسات الاحتلال فلا مدارس أو معاهد متوفرة بكفاءات عالية بسبب الفقر و الحصار و التضييق و لا تقنيات متوفرة لنفس الأسباب . و العامل الفلسطيني لا يجد عملاً لائقا سوى في إسرائيل و معظم هؤلاء العمال يخسرون عملها للأسباب التي ذكرناها سابقا حول الوقوف على نقاط التفتيش و المعابر أو بسبب المساومات من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية لهؤلاء العمال .
ــ المادة السابعة :
تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بما لكل شخص من حق في التمتع بشروط عمل عادلة ومرضية تكفل
على الخصوص:
(أ) مكافأة توفر لجميع العمال، كحد أدنى:
"1" أجرا منصفا، ومكافأة متساوية لدى تساوي قيمة العمل دون أي تمييز، على أن يضمن للمرأة خصوصا تمتعها بشروط عمل لا تكون أدنى من تلك التي يتمتع بها الرجل، وتقاضيها أجرا يساوي أجر الرجل لدى تساوي العمل،
"2" عيشا كريما لهم ولأسرهم طبقا لأحكام هذا العهد،
(ب) ظروف عمل تكفل المساواة والصحة،
(ج) تساوي الجميع في فرص الترقية، داخل عملهم، إلى مرتبة أعلى ملائمة، دون إخضاع ذلك إلا لاعتباري الأقدمية والكفاءة،
(د) الاستراحة وأوقات الفراغ، والتحديد المعقول لساعات العمل، والإجازات الدورية المدفوعة الأجر، وكذلك المكافأة عن أيام العطل الرسمية.
لا يمكن توافر هذه الشروط في ظلّ المعوقات التي ذكرناها سابقا و الناتجة عن الاحتلال , كما أن المرأة الفلسطينية تعمل تحت الاحتلال في ظروف عمل سيئة جداً لعدم توفر أدنى درجات العمل الكريم في مصانع متهالكة قديمة كما أن النساء الفلسطينيات العاملات كمعلمات في المدارس , عرضة دائما للخطر أو التوقف عن العمل , فالتعليم يتوقف دائما بسبب الظروف الأمنية الصعبة كما أن العمال و العاملات لا يتقاضون رواتبهم لأن إسرائيل تمنع دخول مساعدات مالية إلى غزة و مدنها و مناطقها و تمنع دخول الحوالات البنكية الخاصة برواتب العاملين و قد شهدت هذه المدن إضرابات كثيرة بسبب عدم تقاضي هؤلاء لرواتبهم لشهور طويلة جدا و لذلك هم لا يتمتعون بالحدّ الأدنى لشروط العمل و المكافئات و الحوافز , و لا حتى يستطيعون الحصول على رواتبهم معظم شهور السنة .
ــ المادة 10
تقر الدول الأطراف في هذا العهد بما يلي:
1- وجوب منح الأسرة، التي تشكل الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع، أكبر قدر ممكن من الحماية والمساعدة، وخصوصا لتكوين هذه الأسرة وطوال نهوضها بمسؤولية تعهد وتربية الأولاد الذين تعيلهم. ويجب أن ينعقد الزواج برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاء لا إكراه فيه.
لا يوجد حماية لا للفرد و لا للأسرة في ظل الاحتلال الإسرائيلي , فلا يوجد أسرة فلسطينية إلا و مقسومة في عدة بلدان بسبب التهجير كما أنه لا يوجد أي بيت فلسطيني ليس له ضحايا في القصف الإسرائيلي . هذه المادة و كثير غيرها لا يمكن حتى قراءتها على الفلسطينيين في ظلّ التهجير و التشريد و القتل و القصف و الترهيب .
2- وجوب توفير حماية خاصة للأمهات خلال فترة معقولة قبل الوضع وبعده. وينبغي منح الأمهات العاملات، أثناء الفترة المذكورة، إجازة مأجورة أو إجازة مصحوبة باستحقاقات ضمان اجتماعي كافية.
الأمهات الفلسطينيات سواء عاملات أو غير عاملات الكثير منهن يلدن أطفالهم على الحواجز و في الطريق إلى المستشفيات بسبب سياسة التضييق على المعابر و الانتظار لساعات دون التمييز بين المرضى و الحوامل و غيرهم من الناس الأصحاء .
3 - - وجوب اتخاذ تدابير حماية ومساعدة خاصة لصالح جميع الأطفال والمراهقين، دون أي تمييز بسبب النسب أو غيره من الظروف. ومن الواجب حماية الأطفال والمراهقين من الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي. كما يجب جعل القانون يعاقب على استخدامهم في أي عمل من شأنه إفساد أخلاقهم أو الإضرار بصحتهم أو تهديد حياتهم بالخطر أو إلحاق الأذى بنموهم الطبيعي. وعلى الدول أيضا أن تفرض حدودا دنيا للسن يحظر القانون استخدام الصغار الذين لم يبلغوها في عمل مأجور ويعاقب عليه.
الطفل الفلسطيني معرّض للقتل في الشوارع و في طريقه إلى المدرسة كما أن الكثير من الأطفال الفلسطينيين يضطرون لترك المدرسة للعمل لإعالة أسرهم بسبب مقتل الأب أو الأم أو بسبب الفقر الشديد الناجم عن الحصار المتواصل و سياسة الجوع التي تمارسها إسرائيل على أهالي قطاع غزة.
المادة 11
1-تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية. وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق، معترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم على الارتضاء الحر.
ذكرنا سابقا و كما هو معروف للعالم أجمع أن الحصار التي تطبقه إسرائيل يجعل من تطبيق هذه المواد أمر مستحيل بل إن إسرائيل تقصف مخازن الإغاثة حتى تلك التي تتبع للأونروا , كما حصل في غزة مؤخراً .
- واعترافا بما لكل إنسان من حق أساسي في التحرر من الجوع، تقوم الدول الأطراف في هذا العهد، بمجهودها الفردي وعن طريق التعاون الدولي، باتخاذ التدابير المشتملة على برامج محددة ملموسة واللازمة لما يلي:
(أ) تحسين طرق إنتاج وحفظ وتوزيع المواد الغذائية، عن طريق الاستفادة الكلية من المعارف التقنية والعلمية، ونشر المعرفة بمبادئ التغذية، واستحداث أو إصلاح نظم توزيع الأراضي الزراعية بطريقة تكفل أفضل إنماء للموارد الطبيعية وانتفاع بها ،
(ب) تأمين توزيع الموارد الغذائية العالمية توزيعا عادلا في ضوء الاحتياجات، يضع في اعتباره المشاكل التي تواجهها البلدان المستوردة للأغذية والمصدرة لها على السواء.
لا يمكن الحديث عن هذه القوانين و البنود في ظلّ الحصار الخانق , و قصف وكالات الإغاثة و مخازنها , و حرمان الفلسطينيين من استيراد بضائعهم و أدويتهم و أغذيتهم من الخارج , لا يمكن لهم ذلك تحت الحصار البري و الجوي و البحري .
المادة 12
1- تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه
المستشفيات و المصحّات الفلسطينية لا يوجد فيها معدّات حديثة و الكثير من الأحيان لا يوجد فيها كهرباء لأن إسرائيل تمنع وصول الوقود و الغاز كما تمنع وصول و استيراد المعدات , و المريض الفلسطيني معظم الأحيان يموت لأسباب طبية بسيطة جدا لا يمنع أن تحصل في بلد آخر .. فالكثير من الأدوية غير متوفرة و لا يمكن استيرادها بسبب الحصار .
- تشمل التدابير التي يتعين على الدول الأطراف في هذا العهد اتخاذها لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق، تلك التدابير اللازمة من أجل:
(أ) العمل على خفض معدل موتى المواليد ومعدل وفيات الرضع وتأمين نمو الطفل نموا صحيا.
شرحنا سابقا عن حال المستشفيات و عن المواليد الذين يولدون على المعابر بظروف بدائية تكون سبباً في موتهم لعدم توفر أبسط ظروف الحياة للوليد الذي يحتاج ظروف و رعاية و مراقبة خاصة في المستشفى .
(ج) الوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية والأمراض الأخرى وعلاجها ومكافحتها.
إضافة للأسباب السابقة , إن إسرائيل تقصف المناطق الفلسطينية الآهلة بالسكان بأسلحة محرمة دولياً كالفسفور و هذا يشكّل خطراً على صحة الناس جميعا و على البيئة بشكل عام .
(د) تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض.
تقوم إسرائيل بقصف سيارات الإسعاف و قتل المسعفين و منع وصولهم إلى المصابين أو المرضى الذين يموتون بسبب ذلك . و هذا حصل في كل حروب إسرائيل من جنوب لبنان إلى الضفة إلى جنين و مؤخرا غزة . لا يوجد حرب خاضتها إسرائيل و لم تقصف فيها سيارات الإسعاف و المسعفين , و يمكن العودة لأرشيفات هذه الحروب جميعاً .
المادة 13
1- تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل فرد في التربية والتعليم. وهي متفقة على وجوب توجيه التربية والتعليم إلى الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية والحس بكرامتها والى توطيد احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وهي متفقة كذلك على وجوب استهداف التربية والتعليم تمكين كل شخص من الإسهام بدور نافع في مجتمع حر، وتوثيق أواصر التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم ومختلف الفئات السلالية أو الإثنية أو الدينية، ودعم الأنشطة التي تقوم بها الأمم المتحدة من أجل صيانة السلم
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)

